منوعات

الحرية المزيفة

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب مارك مانسون (Mark Manson) والذي يحدثنا فيه عن الحرية المزيفة وأسبابها.

لا تعني الحرية المزيد من العلامات التجارية للاختيار من بينها، أو المزيد من الإجازات على الشاطئ لالتقاط صور سيلفي هناك، أو المزيد من القنوات الفضائية لتغفو وأنت تشاهدها؛ هذا مجرد تنوع؛ وفي الفراغ، لا معنى للتنوع.

قد يكون من الغريب في هذا الزمن أن يصبح الشخص رجل أعمال يحقق نجاحاتٍ باهرة، إذ أصبح العمل أفضل من أي وقت مضى، وهناك ثروة في العالم أكثر من قبل، والأرباح تحطم أعلى مستوياتها على الإطلاق، والإنتاجية والنمو في حالة لا بأس بها؛ لكن مع ذلك، ثمَّة ارتفاع ملحوظ في انعدام المساواة في توزيع الدخل، ويبدو أنَّ وباء الفساد يستشري في جميع أنحاء العالم.

لذلك، في حين أنَّ هنالك نشاط في عالم الأعمال، هناك أيضاً نوع غريب من التوجُّس الذي يأتي أحياناً من العدم؛ وهذا التوجُّس، كما لاحظت، يأخذ دائماً نفس الشكل، وبغض النظر عن مصدره، فإنَّه يتلخَّص بعبارة: “كل ما نفعله هو أنَّنا نعطي الناس ما يريدون!”.

شاهد بالفديو: 6 أمور تبيّن أهمية التحفيز في عالم الأعمال

 

تتنصَّل كل الشركات – سواءً كانت شركات نفطٍ، أم شركاتٍ إعلانيَّةً بغيضة، أم فيسبوك الذي يسرق بياناتك – من الممارسات المريبة التي تقوم بها من خلال سعيها المحموم إلى تذكير الجميع كيف أنَّها تحاول فقط منح الناس ما يريدون؛ مثل سرعات تنزيل أسرع، وهواء مكيَّف، وسعة أفضل للغاز، وماكينة حلاقة شعر أرخص، وما إلى ذلك.

وهذا صحيح، حيث تمنح التكنولوجيا الأشخاص ما يريدون بشكل أسرع وأكثر كفاءة من أي وقت مضى، وبينما نهاجم رؤساء الشركات بسبب شكوكنا في طبيعة عملهم الأخلاقية، فإنَّنا ننسى أنَّهم يُلبُّون رغبات السوق ويوفرون مطالبنا؛ وإذا تخلصنا من فيسبوك أو أي شركة عملاقة تعدُّ شريرة، سوف تظهر شركة أخرى لتحل محلها في الحال.

لذا، ربما لا تكون المشكلة مجرد مجموعة من المديرين التنفيذيين الجشعين الذين يدخنون السيجار بينما يضحكون بشكل هستيري على مقدار الأموال التي يكسبونها.

ربما تكون العلة في رغباتنا؛ قد أقول مثلاً: أريد كيساً ضخماً من الحلوى في غرفة المعيشة، وأريد شراء قصر ثمنه ثمانية ملايين دولار عن طريق اقتراض المال الذي لن أتمكن من تسديده أبداً، وأريد الذهاب إلى شاطئ جديد كل أسبوع في العام المقبل، وأريد أن أعيش على تناول شرائح اللحم فقط.

تُعَدُّ هذه رغباتٍ فظيعة، لأنَّ العواطف هي المسؤولة عنها، والعواطف تشبه شخصاً ثملاً معتوهاً؛ لذلك أود أن أقول: إنَّ فكرة “منح الناس ما يريدون” مبرر غير مقنع، فمن الناحية الأخلاقية “مَنحُ الناس ما يريدون” أمر جيد فقط عندما تمنحهم ابتكارات، مثل كلية اصطناعية أو شيء يمنع سياراتهم من الاشتعال دون سبب، لكنَّ منح الناس الكثير من وسائل الترفيه والتشتيت التي يريدونها مسألة خطيرة:

  1. يريد كثيرٌ من الناس أشياء فظيعة.
  2. ينخدع العديد من الناس بسهولة ويقتنعون بشراء ما لا يحتاجونه في الواقع.
  3. تشجيع الناس على تجنب الألم من خلال المزيد والمزيد من المشتتات يجعلنا أضعف وأكثر هشاشة.
  4. لا أريد أن تتبعني إعلانات البرامج والتطبيقات أينما أذهب وتتعقب حياتي للحصول على بياناتي؛ فقد سبق وأن تحدثت مع زوجتي ذات مرة عن رحلة إلى بيرو (Peru)، فهل يعني هذا أن يُمطَرَ هاتفي بوابل من الصور عنها للأسابيع الستة المقبلة؟

يجب بشكلٍ جدِّيٍّ التوقُّف عن التنصُّت على محادثاتنا وبيع بياناتنا لأي شخصٍ يدفع المال مقابل الحصول عليها.

من الغريب أنَّ المسوِّق الشاب الناجح في عشرينيات القرن الماضي، إدوارد بيرنايز (Edward Bernays) تنبأ بكل هذا: الإعلانات البغيضة وانتهاك الخصوصية وخداع أعداد كبيرة من الناس بالعبودية الطَّيِّعة من خلال الاستهلاك غير المبرر؛ لقد كان الرجل عبقرياً نوعاً ما، إلا أنَّه كان يؤيدها تماماً، وهذا ما جعله عبقرياً شريراً.

كانت معتقدات بيرنايز السياسية مروعة؛ فقد كان يؤمن بما أفتَرِض أنَّه يمكنك تسميته “فاشية النظام الغذائي”؛ حيث اعتقد بيرنايز أنَّ الجماهير كانت خطرة ويجب أن تسيطر عليهم دولة مركزية قوية، لكنَّه أدرك أيضاً أنَّ الأنظمة الشمولية الدموية لم تكن مثالية تماماً؛ فبالنسبة له، قدم علم التسويق الجديد طريقة للحكومات للتأثير في مواطنيها واسترضائهم دون الاضطرار إلى تعذيبهم.

اعتقد بيرنايز أنَّ الحرية بالنسبة لمعظم الناس مستحيلة وخطيرة، وكان يدرك جيداً أنَّ آخر شيء يجب أن يتسامح معه المجتمع هو التفكير العقلاني الذي يتولى القيادة، وأنَّ المجتمعات تحتاج إلى النظام والتسلسل الهرمي والسلطة، في حين كانت الحرية مناقضة لتلك الأشياء؛ فقد رأى التسويق أداة جديدة رائعة قد تمنح الناس الشعور بالحرية، ولكن في حقيقة الأمر، أنت فقط تمنحهم المزيد من نكهات معجون الأسنان للاختيار من بينها.

لقد انزلقت الحكومات الغربية – في معظمها – إلى مستوى منخفض لدرجة أن تتلاعب بشكل مباشر بسكانها من خلال الحملات الإعلانية؛ فقد أصبح عالم الشركات سخياً في إعطاء الناس ما يريدون لدرجة أنَّهم اكتسبوا تدريجياً المزيد والمزيد من السلطة السياسية؛ حيث مُزقت لوائح القوانين، وانتهت الرقابة البيروقراطية، وتآكلت الخصوصية، وأصبح المال متورطاً في السياسة أكثر من أي وقت مضى، ولماذا حدث كل هذا؟ يجب أن تعرف الآن: لقد كانوا يمنحون الناس ما يريدون!

لكن، لنكن واقعيين: “أعط الناس ما يريدون” هو مجرد حرية مزيفة لأنَّ ما يريده معظمنا هو المشتتات، وعندما تغمرنا المشتتات، تحدث بعض الأمور:

الأمر الأول أنَّنا نصبح أكثر هشاشة، ويتقلص عالمنا ليتوافق مع حجم قيمنا المتناقصة باستمرار، ونصبح مهووسين بالراحة والسرور، وأي فقدان محتمل لتلك المتعة يجعلنا نشعر وكأنَّ العالم قد اهتز وأنَّ الكون قد ظلمنا، لذا أود أن أزعم أنَّ تضييق نظرتنا إلى العالم ليس حرية؛ بل العكس.

الأمر الثاني أنَّنا نصبح عرضة لسلسلة من السلوكات الإدمانية المتدنية ـ التحقق الإجباري من الهاتف والبريد الإلكتروني وانستغرام (Instagram)، وإنهاء قسري لمسلسلات نت فليكس (Netflix) التي لا نحبها، ومشاركة المقالات التي تثير الغضب مع أنَّنا لم نقرأها، وقبول الدعوات إلى الحفلات والمناسبات التي لا نتمتع بها، والسفر – ليس لأنَّنا نريد ذلك ولكن لأنَّنا نريد أن نكون قادرين على القول أنَّنا ذهبنا.

إنَّ السلوك القهري الذي يهدف إلى تجربة المزيد من الأشياء ليس حرية – مرة أخرى، هو عكس ذلك نوعاً ما.

الأمر الثالث هو العجز عن تحديد المشاعر السلبية والتسامح معها والبحث عنها هو نوع من الحجز؛ فإذا كنت تشعر بأنَّك بخير فقط عندما تكون الحياة سعيدة وسهلة؛ فأنت لست حراً، أنت عكس الحر، أنت سجين لملذاتك، وعبد لتعصبك، وعاجز بسبب ضعفك العاطفي؛ حيث ستشعر باستمرار بالحاجة إلى بعض الراحة الخارجية أو الإطراء الذي قد يأتي أو لا يأتي أبداً.

الأمر الرابع هو مفارقة الاختيار، حيث كلما زادت الخيارات المتاحة لنا (على سبيل المثال، زادت “الحرية” لدينا)، قل رضانا عن أي خيار نختاره؛ فإذا تعين على شخص ما أن يختار بين صندوقين من الحبوب، وعلى شخص آخر الاختيار من بين عشرين صندوق، فإنَّ الثاني لا يتمتع بحرية أكبر من الأول، وإنَّما لديه تنوع أكثر، وهناك فرق؛ فالتنوع ليس حرية، هو مجرد تعديلات مختلفة لنفس القرف الذي لا معنى له.

أما إذا كان أحدهم يُصوب مسدسه نحو شخص آخر لكي يرغمه على تناول صندوق الحبوب، فحينئذ يمكننا القول إنَّ ذلك الشخص يتمتع بقدر أقل من الحرية، ولكن هذا لن يحدث أبداً.

هذه هي مشكلة تمجيد الحرية بدلاً من الوعي البشري؛ حيث إنَّ المزيد من الأشياء لا تجعلنا أكثر حرية، بل تجعلنا نشعر بالقلق بشأن ما إذا كنا قد اخترنا أو فعلنا أفضل شيء، والمزيد من الأشياء تجعلنا أكثر عرضة لمعاملة أنفسنا والآخرين كوسائل وليس غايات، وتجعلنا أكثر اعتماداً على دورات الأمل التي لا نهاية لها.

إذا كان السعي وراء السعادة يعيدنا جميعاً إلى الطفولة، فإنَّ الحرية المزيفة تتآمر لإبقائنا هناك؛ لأنَّ الحرية لا تعني وجود المزيد من أنواع الحبوب للاختيار من بينها؛ فإذا كنت عالقاً بفخ انعدام الأمن، وعاجزاً بسبب الشك والتعصب، يمكنك الحصول على كل التنوع في العالم؛ لكنَّك لن تكون حراً.

 

المصدر


Source link

اظهر المزيد

عبدالله العرموطي

مصمم مواقع انترنت وأحد مؤسسين سويفت اند سمارت ومهتم بإنشاء مصدر عربي للتكنولوجيا والبرمجه سعيد جدا لكوني ضمن فريق عمل متميز ومهتم بمحتوى غني بالمعلومات للمبرمجين العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الاعلانات هي مصدرنا الوحيد لدفع التكلفة التشغيلية لهذا المشروع الريادي يرجى الغاء تفعيل حاجب الأعلانات