الفصل الثاني (قصة أنا هُنا)

(2)

 

"لا أريدُ أخذ روحك

أريد لروحي جَسدْ"

 

عُدتُ للمدرسة أخيراً بعد أن اخبرَ والديّ المديرة بأني كُنتُ في وعكة صحيّة. اجتمعتْ الطالبات حولي للاطمئنان عليّ. كان كُلّ شيءٍ طبيعيًا إلى أن حَصل التالي.

عندما دخلتُ لدورة المياه. تبعتني إحدى الفتيات في الصف، هذه الفتاة بالذات تكادُ تكون غير مرئية وغريبة الأطوار، لا تُشارك أحد ولا صديقة لها. تجلسُ في المقعد الأخير وشعرها المُجعّد يُغطي عينها اليمنى.

المُدهش في ذلك، أن لا مُعلمة دَخلتْ وطلبتْ منها أن ترفع شعرها، بأن لا طالبة تجرؤ على الاقتراب منها. لذا اعتدنا ذلك المشهد كُلّ يوم كأنها لوحة مُعلّقة منذُ القِدم.

وَقفتْ بجانبي تغسلُ يديها، ثم ألتفتت إليّ وهي تقول:

"هل يُمكن أن تُصبحي صديقتي"

كانت المرة الأولى التي أسمعُ بها صوتها. تلعثمت ولم أجد اجابة مُناسبة لسؤالها، فلم يخرج مني سوى كلمة لماذا! لماذا أنا؟

إجابتها جَعلتني أفكر طيلة اليوم:

"هُناك روحٌ ما تُريدُ جسدك.. أنا فقط من يُصدّقك"

لم أخبر أحداً من قبل بما يحصلُ معي. لذا بدا من المُستحيل أن يصل إليها أي شيءٍ عنيّ، غادرتني وأنا في حيرةٍ من أمري.

أصبحتُ أخافُ الليل وكلماتها لا تُفارقني، هُناك روحٌ تُريد جسدي. فأتذكر كُلّ ما حصل.

استيقظتُ في منتصف الليل، لذا شعرتُ بشكلٍ تلقائي بالخوف. فالليل أصبح غِطاءً لتلك الأصوات التي أسمعها.

كانت ستارة نافذتي تلوح من شِدة الهواء، وصوت الريح في الخارج يزداد. شعرتُ بالبرد أيضاً يجتاحُ عظامي وعندما اقتربتُ من النافذة لكي أغلقها، رأيتُ والدتي!

لا يُمكن لعينيّ أن تُخطئ ذلك. تَوّقفتْ والدتي في المكان الذي سَحبتني بهِ تلك اليدّ وبدأتْ تحفرُ بيديها.

ما الذي يحصل! وما الذي تُخفيه أمي تحت التراب؟

لم أتمكن من المكوث في مكاني، لذا خرجتُ من غُرفتي. اقتربتُ أكثر!

يُمكنني أن أقول ذلك بكلّ ثقة، وإن حصل هذا الأمر مع أي أحدٍ منكم.. ستشعرون! نعم. بأن الأرض كُلّها تتآمر عليكم، ستشتمون رائحة الموت وتشعرون بأن الظلام حالك. وأيضاً أجسادكم سوف تتخدر بشكلٍ تدريجي، يمشي من قدميك فيصعد لرأسك.

وكلّما اقتربت أكثر من ذلك العالم، لن تشعرُ سوى بقلبك يُصبح أكبر وصوت نبضه يصمّ الأذن، إلى أن يملئك الرُعب. إما أن تهرب أو تدخل للأبد لذلك العالم.

حَصل معي كُلّ هذا وأنا أقتربُ من أمي، وفي اللحظة التي أدركت بأنها ليست أمي! كُنتُ خَلفها تماماً.

قالت بصوتٍ يرتجف:

"لن تكوني وحدك، سأكون معك"

تَشنجتُ مكاني فأكملت:

"أثناء لعبك، وطعامك. مدرستك ومع والديك، أثناء نومك وتفكيرك"

جسدي يصبّ عَرقاً رُغم الأجواء الباردة. الرياح تضربُ الأشجار وتزدادُ ضراوةً وهي امامي الآن دون أن تلتفت.

عادتْ خطواتها للخلف ولا يزالُ وجهها للأمام، لم أجد سوى الأرض لكي أنظر إليها. لم أجرؤ على رؤية وجهها.

أصبحَتْ مُلتصقة بي تماماً. ألمحُ جسدها فأشعرُ بأنها حقًا من البشر لكن يُدها تقطرُ دماً وحفنة التراب لا تزالُ في باطن يدها.

بكيتْ وأنا لا أعلمْ كيف سأهرب، كُنتُ أشعرُ بأنها ستمسك بي في اللحظة التي سأحاول الهرب بها. قُلت أتوسل إليها:

"أرجوكِ دعيني اذهب"

لمحتُ وجهها وهو يتلفتُ إليّ لكني لم أمعن النظر، مدّت يدها المليئة بالدماء وهي تهمس:

"تعالي معي، سأريكِ شيئاً"

شعرتُ من صوتها بالطمأنينة، لذا تجرأتُ على النظر إليها. لكن!

لم يكُن لها وجه!

بدأ جِلد وجهها يتشقق وهو يُخرجُ من خلفه العديد من الديدان، صَرختُ وأنا أهرب للمنزل. أغلقتُ الباب خَلفي وأنا أجهشُ بالبكاء.

لم أنم أبداً.. أشعلتُ ضوء الغرفة وبقيتُ أمام النافذة أنتظرُ شروق الشمس.

تساءلت أمي صباحًا عن ازدياد الهالات السوداء تحت عينيّ. لم أجب، فلا أحد يُصدّقني ولا أريد أن تغضب أمي مني مُجدداً.

وفي المدرسة وبعد انتهاء الفسحة وجدتُ في كِتابي قُصاصة مكتوبٌ فيها:

"لقد كانت البارحة في غُرفتك. لا تُصغي لكلماتها"

نظرتُ للخلف بسرعة لتلك الفتاة الغريبة، فوجدتُ أنظارها متوّجهة إليّ.

هزّت رأسها وهي تبتسم.

عدتُ للمنزل وأنا في حيرةٍ من أمري، وفتاة الألغاز في المدرسة لا تُفصح عن شيء بوضوح. بقيتُ شاردة الذهن أثناء تناول الغداء، والديّ صامتان وأنا كذلك، إلى أن وجّهت والدتي كلامها إلي:

"ما بكِ اليوم! ألم تنامي البارحة؟ أنظري لوجهك كالأموات"

أجبتْ:

"نمتُ جيداً، لكن في جوفي سؤال أتمنى أن أعرف اجابته"

رَفعتْ رأسها من أمام طعامها وأصغت باهتمام وهي تحثّني على الاكمال:

"لماذا تخليتم عني في أول خمسة سنوات من حياتي؟"

عَلت الدهشة وجيههما، كأن الدماء غادرت أجسادهم. ألم تتوقع والدتي أن أسألها! ألم تُخمّن بأني أذكرُ تلك السنوات!.. لكن لا، لا شيء من هذا. فما يحصلُ هو أعظم.

وقفت والدتي وهي تضربُ الطاولة بيدها حتى كادت أن تنكسر الصحون:

"من أين أتيتِ بهذا الكلام؟ لقد عشتِ معنا يا سيدرا.. ملابسك وألعابك وغرفتك لا نزالُ نحتفظُ بكلّ شيء من يوم ميلادك"

لم أجب، وأنا أشعرُ برأسي يدور، انهارت أمي تبكي ووالدي يقول لي موّبخًا:

"أصعدي إلى غرفتك"

في أثناء صعودي كانت كلمات أمي تُلاحقني:

"أنتِ تُريدين تعذيبي"

أنا من أتعذب يا أمي، أنا من أشعرُ بروحي تغادر جسدي كُلّ ليلة.

 

 

 

 

هل استمتعت بهذه المقالة أنضم إلينا من خلال أخر الأخبار عبر البريد الالكتروني

تعليق

يجب تسجيل الدخول لأضافة تعليق

عن الكاتب