القبح والجمال رؤية وتفاصيل

   يقول رجاء عليش في كتابه " لا تولد قبيحاً " : أشعر أنني لا انتمي للعالم الذي أعيش فيه ... للناس الذي يتحركون من حولي بإحساس عامر بالحياة..أشعر بأنني معلق في دائرة خارج حدود الزمن والمألوف.

   انهى الكاتب رجاء عليش حياته بإطلاق رصاصة على رأسه تاركاً بذلك كل معاناته وصراعاته مع وجهه القبيح وقسوة الناس ، مخلفاً ورائه روايتين هما ( لا تولد قبيحاً - كلهم أعدائي). 

  بعض الناس ممن يشار إليهم بالقبح الخارجي ينتظرون الليل بيأس حيث يختفون عن أعين الناس وينفردون بأوجاعهم الذاتية ورهبة اللقاء مرة أخرى مع طلوع شمس يوم جديد ، يخافون طلوع الشمس حيث يلتقون بأعين الناس التي تكاد تخترق وجوههم واجسادهم بنظرات تحمل فقط اشمئزاز يشعرهم بأن عليهم الاختفاء داخل جحر ما حتى لا يزعجونهم بأشكالهم ، يتفادون إنعكاس  صورهم في المرآة.. حينما ينظرون إلي مرآتهم لا يرون سوى نظرات الناس إليهم لا يرون سوى تلك الندبة هنا ، لون البشرة المختلف ، وتلك العلامة هناك ، ف لا يسعهم سوى الالتصاق بأسرتهم والانكماش على أنفسهم والتفكير في وسيلة للتخلص من هذا العالم 

   يرفض هذا العالم الاختلاف بشدة ، عليك ان تشبههم وإلا لا مكان لك هنا في هذا العالم ، أن تكون نسخة متكررة عن كل الأشخاص المحيطين بك ، لا تكن مغاير في شئ ، التزم بالمعايير ، تلك المعايير الساذجة التي تحدد نمط كل شئ في حياتك ، بدايةً من شكلك انتهاءً بكيف تعيش بشكل عام 

   عالم يهدف الي المثالية هو عالم مليئ بالنقص ليس إلا . المثالية تكمل النقص ، وُجدت إحداهم لتسد فراغات الأخرى فتظهر صورة فنية عبارة عن خليط ما بين عالمين مكملان لبعضهما البعض حتى لا تكاد تتخيل احد العالمين دون الآخر ، يولد الجمال في حضرة القبح ويوجد القبح في حضرة الجمال ويتخفى كلاهما في ثوب الأخر حتى انه قد يلتبس عليك الأمر حتى تدرك أحدهما ، فيقول جبران خليل جبران في قصيدته : 

تلاقىجب الجمال والقبح ذات يوم على شاطئ البحر، فقال كل منهما للآخر هل لك أن تسبح؟ثم خلعا ملابسهما، وخاضا العباب. 
وبعد برهة عاد القبح إلى الشاطئ وارتدى ثياب الجمال، ومضى في سبيله. 
وجاء الجمال أيضاً من البحر، ولم يجد لباسه ، وخجل كل الخجل أن يكون عارياً، ولذلك لبس رداء القبح، ومضى في سبيله.
ومنذ ذلك اليوم والرجال والنساء يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض.
غير أن هناك نفراً ممن يتفرسون في وجه الجمال، ويعرفونه رغم ثيابه. وثمة نفر يعرفون وجه القبح،والثوب الذي يلبسه لا يخفيه عن أعينهم.

   الجمال والقبح ، الخير والشر ، الفساد والنزاهة ، هل كلها كلمات لا تمثل بعضها اما انها فقط وجهان لعملة واحدة ، ففي حضرة احدهما تبرز معالم الأخرى واذا غابت تفقد الأخرى قيمتها كأنها لم تكن ، من الذي قرر وضع معايير لكل شئ ، معايير للجمال ، معايير للحب ، معايير للحياة بصورتها الكاملة ، هل اعتبر وضع المعايير هو حكم للعشوائية مثلا ، هل يخاف هذا العالم من الاختلاف كل هذا الخوف ، هل يرعبهم كون أحدهما يستطيع النجاة ها هنا وهو مختلف ولا يشبه تلك المقاييس التي وضعوها 

   يميل الناس للتخفي في وجود لا تشبههم حتى يتماهو وينسابو داخل معالم هذا المجتمع ، يختفي الشكل الحقيقي كل صباح ليأتي مكانه شكل يحبه هذا العالم ويدلل فيه ، وحده الشجاع من يستيقظ صباحاً مدركاً ان العالم لا يحب نفسه ، لا يراها و إنما يرى مسوخ تتحرك على وتيرة واحدة تلتهم بداخلها كل من له نفس هشة قابلة للتشكيل ، ينجو الشجاع صاحب النفس الجميلة لا صاحب الشكل الجميل

   وفي النهاية لا يوجد ينبوع جمال يُسقى منه البشر كي يظلو يافعين  ، سيزول الجمال وتنكمش المعالم ويشيخ  الجسد ولن يبقى سوى هذا الشخص الذي اعتنى بروحه يُحسد عليها كأنها كنز سمين

هل استمتعت بهذه المقالة أنضم إلينا من خلال أخر الأخبار عبر البريد الالكتروني

تعليق

يجب تسجيل الدخول لأضافة تعليق

عن الكاتب