رسالة شخص ميت...

رسالة من شخص ميت... قضية ليست بقضيتي.. 

 

في إحدى ضواحي مدينة الراية في عامِ 1887 عاشت روسلين ووالدها في بيتٍ هادئ مكون من ثلاث طوابق وحديقة مستديرة ببابٍ خلفيّ وقام والدها بجعل الطابق الثالث مكتبة لشدة حب ابنته روسلين للقراءة ، وكان يقال آنذاك أنّ مدينة الراية كانت تسمى قديمًا بأرض الرِمَم وذلك لأنها كانت أرض حربٍ سار عليها المئات ولكثرة ما وقع فيها من قتلى دفنوا تحتها... 

لنرجع الآن إلى عام 1887 وبالتحديد الى روسلين ذات الأحدَ عشرَ عاماً حيثُ أنها كانت تملك قطة صغيرة، أحضرها لها والدها لأنهُ رجلٌ دبلوماسي مشغول وأيضًا كانت وحيدة و والدتها توفيت اثناء ولادتها... 

وبعد مرورِ ثلاثة أشهر وفي حادثةٍ مأساوية ماتت تلك القطة و عَمَّ الحزن على روسلين، لكن والدها أخبرها أنها إذا قامت بدفنها ستتحول إلى نجمة... 

وبعد أن خرج والد روسلين الى العمل قامت بتحضير أدوات الحفر وذهبت الى تلك الحديقة الخلفية وجهزت لها المكان وصنعت حفرة صغيرة وضعت فيها الزهور والقليل من طعام قطتها المفضّل ثم قبلتها ووضعتها وأغلقت عليها الحفرة ، وأثناء ذلك وجدت ورقة مهترئة وعدة قصاصات موضوعة بحقيبة عسكرية قديمة وصورة امرأة كبيرة مع شابٍ بالعشرين، طغى عليها الفضول وذهبت إلى داخل منزلها وجلست على الأريكة تتصفح تلك القصاصات وتحاول فتح الورقة المهترئة دون تمزيقها وبعد فتحِها كان مكتوب فيها " إلى والدتي وحبي الأول إلى من جعلتني أخرج الى الحرب بالرغم من خوفي لقد كنتُ أسيرًا لدى ذلك العدو وتعرضتُ إلى أشد التعذيب لقد كنتُ أحارب من أجل قضيةٍ لا تَخُصُني، وكيف لي أن أخبرهم بأن الوطن لا معنى لهُ بدونكِ... " .

انظري يا أمي لقد قطعوا أصابعي لأنهم اعتقدوا أنّها مَن قتلت أصحابهم، لم يعترفوا حتى أنّهم مَن حاولوا أنّ يحتلوا موطني، لكني بقيتُ على قيد الحياة من أجل الوطن الذي ضحيتي بي من أجلهِ... 

لقد جعلوا من كتفي خارطةً رسموها بالدم حتى انهم حفروها ثم علقوني كالجدار لكني بقيتُ على قيد الحياة يا أمي من أجل تلك النساء التي لطالما رقصتي معهم في الأعياد الوطنية...

 

أخبري والدي أني لن أسقط الآن حتى لو دفنوني وجعلوا رأسي بالحطبِ نارً من أجل الحساء لطالما كان رأسي مرفوعًا بإسمه لذلك سأبقى على قيد الحياة من أجلهِ يا أمي فكيف لي أن اخبرهم بأن الوطن لا معنى لهُ بدونه... 

 

أردتِ أن تنتهي الحرب وأتزوج من تلك الفتاة التي لطالما رفضتها بسبب انعواجِ أنفها كم كنتُ سيء وأستحق ما حصل لي فقد تألمت بسببي لذلك سأبقى على قيد الحياة من أجلها... 

 

أردتِ أن أساعدكِ في تغيير طلاء تلك الجدران في غرفة جدتي لكنني رفضتُ بسبب الإنشغال مع رفقائي بتلك الرهانات، لكن لا تغضبي عليهم فقد ماتوا جميعًا أمامي من أجل الوطن.. 

 

أردتُ أن اعود يا أمي لأتجوّل في شوارعنا التي لطالما لعنتُها في كتاباتي، وأشتم رائحة المطر وأسمع أصوات الأطفال وهم يلعبون فأخرج لملاحقتهم بالأحذية... 

 

 

أريد أن اهدي هذه الرسالة إلى هذا الوطن الذي سحقني قبل الحرب وبعدها، إلى أصابعي التي سبقتني إلى الجنة وإلى هذه الأرض التي خانت أصحابها وأخبرت العدو بمكانهم و لكل من خان وغدر ولتلك المرأة التي ضحت بطفلها من أجل أن تعيش في وطنٍ محتل والآن يا أمي لم أبقَ على قيد الحياة حتى أنتِ يا أمي لن تقرأي  رسالتي فقد ابتلعتنا الأرض جميعنا... 

 

فقد وقعت البندقيه و وقع معها الجندي فمزقت الرصاصه قلبهُ ومات الجميع...

 

أغلقت روسلين تلك الرسالة وبعد أن عاد والدها جلست على قدمه وهمست له وقالت فلتحموا  هذا الوطن يا أبي فلا أريد أن تمزق أصابعي، فأعاد النظر إليها وهمس أيضًا وقال حسنًا يا روسلين سأحضر لكِ قطةً أخرى...

هل استمتعت بهذه المقالة أنضم إلينا من خلال أخر الأخبار عبر البريد الالكتروني

تعليق

يجب تسجيل الدخول لأضافة تعليق

عن الكاتب