منوعات

فن الإقناع: تعريفه، ومراحله، وأهم أدواته

ولأنَّ الحياة قائمة على التواصل والعلاقات؛ فمن الهام جداً اكتساب أدوات الإقناع، فالمُفاوض والمُقنِع النَّاجح هو مَن يستطيع جذب الآخرين له بالطَّريقة الَّتي تناسب كل واحد منهم وصولاً إلى توجيه سلوكهم مستقبلاً إلى المسار الَّذي يرغب به، ومع مراعاة أن تكون العلاقة رابحة للطَّرفين، فكيف لك:

  • أن تقنع زوجتك أنَّك لازالت تحبُّها وأنَّ شكوكها غير صحيحة؟
  • وكيف لكَ أن تقنع صديقك أنَّ الدِّراسة هامة في وسط يعجُّ بالخرِّيجين العاطلين عن العمل؟
  • وكيف لكَ أن تُقنِع زوجتك أنَّ المال لا يصنع السَّعادة؟
  • وكيف لك أن تقنع الناس أنَّ الصَّدقة لا تُنقِص المال بل تزيده؟
  • وكيف لك أن تقنع مديرك بتوقيع قرار ترفيعك وعلاوتك؟
  • وكيف لك أن تُربِح شركتك في مفاوضة ساخنة بينها وبين شركة أخرى؟

هل ترغب في اكتساب مهارة الإقناع؟ إن كانت إجابتك نعم؛ تابع معنا هذا المقال إذاً.

ما هي مهارة الإقناع؟

هي القدرة على زرع أو تغيير قناعات الآخرين ومن ثمَّ العمل على توجيه سلوكهم، وبالرُّغم من تسميتنا بالكائنات العقلانيَّة، إلَّا أنَّ معظم قراراتنا خاضعة لتأثير المشاعر، أي أنَّنا نخضع لتأثير النِّظام الانفعالي العاطفي أكثر بكثير من النِّظام التحليلي العقلاني، فما يقودنا في الحقيقة هو اللَّاوعي؛ أي مخزن مشاعرنا وأفكارنا وقناعاتنا وقيمنا، ومن هنا إن رغبتَ في إقناع شخص ما فعليك أن تخاطب جانبه اللَّاواعي أكثر من جانبه الواعي.

ما هي مراحل الإقناع؟

لكي تقنع شخصاً بأمر ما، ولكي تضمن فيما بعد التزامه الحقيقي بذلك الأمر؛ عليك أن تدرك أنَّ الإقناع يمر بست مراحل وهي:

1. طرح الفكرة:

تعدُّ الأفكار المكوِّن الأساسي لعملية الإقناع، فأنت تقدِّم فكرتك للآخر لكي تبدأ رحلة المفاوضة والإقناع، وهنا لا بدَّ من أن تكون فكرتك بسيطة ليست معقَّدة، ومركَّزة بحيث تستهدف موضوع بعينه.

على سبيل المثال: إن رغبت فتاة في إقناع خطيبها بالإقلاع عن التدخين، تستطيع أن تقول له: “هل تعلم أنَّ الإقلاع عن التدخين يمثِّل أكبر تحدٍّ لشباب اليوم؟ ولكن من الهام جداً النَّجاح في هذا التَّحدي”، وأن تكون الفكرة مفاجئة؛ كأن تقول لأحدهم: “أتعلم أنَّ صديقك صلاح قد شخَّص له الطَّبيب إصابته بسرطان الرِّئة من جرَّاء التدخين الشَّره؟”، وأن تكون فكرة صادقة؛ أي نابعة من القلب، وتصب في مصلحة الطَّرف الآخر.

2. القناعة:

تقوم عملية الإقناع على تغيير أو زرع القناعات، والقناعة عبارة عن فكرة مخزَّنة في اللَّاوعي ومن الصَّعب تغييرها، وتؤثِّر على سلوك الفرد، فعلى سبيل المثال قد يملك شاباً ما قناعة مفادها أنَّه ضعيف جداً أمام التدخين، الأمر الَّذي ينعكس على سلوكه وإدمانه، وهنا يأتي دور الشَّخص المُقِنع في زرع القناعة بحيث يستخدم وسيلة التكرار، أو التجربة أو المشاعر أو الخيال، أي أنَّه إمَّا أن يكرِّر الفكرة بطرائق مختلفة على الشَّخص المقابل، أو أن يجعله يمارس الفكرة بنفسه ويصل إلى النتائج، أو أن يخاطب لاوعيه من خلال ربط الفكرة مع العواطف.

على سبيل المثال: “يذكر الأب لابنه قصة طفل صغير عانى كثيراً في حياته وفقد أبويه، إلَّا أنَّه استطاع أن ينتصر على كل العوائق ويصبح عالماً مشهوراً”، أو يدعوه إلى تخيُّل نفسه وهو قادر على فعل الفكرة الَّتي يقنعه بها، كأن يتخيَّل الطِّفل ذاته وهو حاصل على أعلى العلامات.

تأتي الآن مرحلة استخدام استراتيجيات الإقناع من المعرفة والقوة والسيطرة، وذلك من أجل ترسيخ القناعات، أي عليه أولاً أن يتعرَّف على الشَّخص المقابل وذلك من خلال الاستماع الجيِّد له، لكي يحدِّد قناعاته عن موضوع معيَّن، ويكتشف قِيمه في الحياة، ويبحث في احتياجاته الَّتي تقف خلف سلوكه؛ فقد يكون الشَّخص بحاجة إلى الحب والأمان لذلك يلجأ إلى التدخين، أو قد يتعرَّض إلى معاملة قاسية من الأهل لذلك يفرِّغ عن طاقته السَّلبيَّة بالتدخين.

وبعد هذه الخطوة، يقوم الشَّخص المفاوِض باتباع استراتيجيَّة القوة؛ بأن يجد نقاط مشتركة يتناقش فيها مع الطرف الآخر، ويبيِّن له تعاطفه الصَّادق معه، ويشجِّعه من خلال تبادل الدعم المعنوي والمادي معه، ومن ثمَّ يتَّبع معه استراتيجيَّة السيطرة، وفيها يبيِّن الشَّخص المُفاوِض جدارته التامة في الفكرة الَّتي يقدِّمها، ويتَّبع أسلوب النُّدرة؛ كأن يُعطِي للطّرف الآخر إحساساً بأنَّ الأفكار الَّتي يقدِّمها ثمينة ومتوفرة لفترة محدودة، كما يتَّبع معه أسلوب الاختيارات، أي يقدِّم للشَّخص خيارات بحيث تكون جميعها مقبولة له لكي يختار فيما بينها، الأمر الَّذي يُشعِر الطَّرف الآخر بأنَّه المتحكِّم والمسيطر.

شاهد بالفيديو: 20 مهارة تجعل الجميع يوافق على ما تقوله

 

3. القرار:

يُتَّخذ في هذه المرحلة القرار باتِّباع الفكرة الَّتي طرحها المُفاوض أو المُقنِع، ويظهر هنا أنواع مختلفة من أصحاب القرار، منهم الشَّخص الكاريزما الَّذي تُستخدم معه تقنية “تضخيم سمعة مكان العمل والأهداف” لكي تقنعه باتخاذ القرار الَّذي تريده، كأن تقنع مديرك ذو الشَّخصيَّة الكاريزميَّة باستحقاقك العلاوة من خلال قولك: “إنَّ سمعة الشركة تهمُّني جداً، وأرغب في تحقيق أعلى الأهداف، لذلك أريد أن أبقى متحمِّساً للعمل كما هي عادتي، وأرى أنَّ العلاوة ستحقِّق لي المزيد من الحماس”.

4. التصرف:

وهنا يميل الشَّخص إلى التصرف بعد أن اتَّخذ القرار، ولكي يضمن المفاوِض أنَّ الشَّخص سيتصرَّف كما يريد؛ ينزع إلى استعراض المشكلة وتقديم حلها الَّذي يتناسب مع الشَّخص ويصبُّ في مصلحة المفاوض، فعلى سبيل المثال، إن كنت تريد أن تقنع زوجتك بعدم الشَّك، فهنا تستطيع أن تستعرض لها مشكلة الشك، وتقدِّم لها فكرة أنَّ “الشَّك هلاك للزَّواج” وتضرب لها أمثلة عن حالات زواج باءت بالفشل من جرَّائه، وتسعى إلى زرع قناعة “الثِّقة أساس الزَّواج”، ومن ثمَّ تدرس الاحتياج الَّذي يقف وراء شكَّها، وتعمل على إشباعه، ومن ثمَّ تعمل على مدحها وتشجيعها على تبنِّي القناعة الجديدة، مع محافظتك على الصدق والمشاعر الجميلة والثقة بها.

5. الالتزام:

لا يكفي تصرُّف الشخص تجاه ما يريده الشَّخص المفاوِض، بل يجب الالتزام والاستمرارية بالأمر، وهنا يجب أن تكون دافعيَّة الشَّخص داخليَّة، على سبيل المثال: إن نجح الأب في إقناع ابنه بالصَّلاة، فلكي يستمر الابن في صلاته؛ يجب أن تكون دافعيَّته للصلاة صادرة من داخله، كأن تكون لديه قناعة أنَّ “الصلاة أداة لسلام الروح”، ومن جهة أخرى يجب أن يواظب الشَّخص المفاوِض على منح الشَّخص الآخر المديح والتشجيع، وعلى منحه فرصة التطبيق بأسلوبه هو، وفرصة الاستفادة من الخطأ، إلى أن يلمس النتائج الإيجابيَّة بنفسه ويصل إلى القناعة التامة.

6. الإيمان والدَّعوة:

وهي المرحلة الأخيرة من مراحل الإقناع، وهنا يقتنع الشَّخص تماماً بالفكرة ويسعى إلى إقناع من حوله بها.

ما هي أدوات الإقناع؟

1. الإصغاء الجيِّد:

لكي تقنع شخص ما بفكرة ما، عليك أن تُحسن الاستماع إليه لكي تصل إلى ما في داخله من قيم وقناعات وأفكار، فأنتَ لا تستطيع التفاوض معه إن لم تُجِدْ فن الإصغاء إليه.

2. المحاكاة:

تعد المحاكاة من الطرائق الأكثر نفعاً في فن الإقناع، وهنا عليك أن تستخدم ذات المفردات وحركات الجسد الَّتي يقوم بها الآخر، من أجل الوصول إلى حالة توافقيَّة عالية بينكما، فعندما تحاكي الآخر في أسلوبه فكأنَّما تعطي له رسالة أنَّكما على الموجة نفسها من الأفكار والمعتقدات، الأمر الَّذي يجعل إقناعه بما تريد أسهل بكثير.

3. تسمية المشاعر:

وهذه الأداة الَّتي تخاطب الجزء اللَّاواعي من الشَّخص المقابل، حيث يحدث الإقناع كلُّه على مستوى المشاعر والأفكار المخزَّنة في اللَّاوعي، وهنا يلجأ الشَّخص المفاوِض إلى التعاطف التكتيكي مع الطَّرف الآخر من خلال محاولة فهم مشاعره وطريقة رؤيته للموضوع المطروح، وذلك عبر إعطائه الفرصة لكي يتكلَّم عن نفسه، ومن ثمَّ العمل على تسمية مشاعره، كأن يقول الشَّخص المفاوض للشَّخص الآخر الغاضب: “يبدو أنَّ هذا الأمر لا يُرِيحك ويمنحك الكثير من المشاعر المضطربة”؛ ومن ثمَّ يصمت لكي يترك المجال له بالتعبير عن نفسه، فيشعر الطَّرف الآخر من خلال هذه الطَّريقة بالهدوء أكثر وبأنَّه أقرب إلى الشَّخص المفاوض، وبأنَّه تحرر وفكَّك ما به من مشاعر سلبيَّة.

4. تقبُّل الرَّفض:

لا تبقَ أسير كلمة “نعم”، فإن أعطاك الشَّخص كلمة “لا” في بداية الحوار معه فاعلم أنَّ هذا مؤشر نفسي جيِّد على أنَّ الأمور تسير على ما يرام، حيث يشعر الشَّخص من خلال كلمة “لا” بالسيطرة والتحكم بزمام الأمور، وبأنَّك لا تستغله، فكن متقبِّلاً للرَّفض، واسعَ إلى فهم ما يكمن وراء كلمة “لا”؛ فقد يكون هنالك خوف من اتِّخاذ القرار، أو حاجة إلى التفكير أكثر قبل إعطاء كلمة القبول.

يجعلك تقبُّل حالة الرَّفض أكثر مرونة، ويطرح أمامك المزيد من الخيارات للتعامل مع الأمر بحيث تحوِّل الموضوع إلى صالحك، كأن تقول له: “أنا أحترم قرارك واختيارك، ولكن أعتقد أنَّ عرضي كان بحاجة إلى تفكير أكثر، شكراً لك بجميع الحالات”. أنت لم تضغط عليه في هذه الحالة، واحترمت رفضه، وبالتالي سيعود إلى التفكير في عرضك بعد انتهاء الحديث بينك وبينه، ومن المحتمل جداً أنَّه سيعود إليك ليعرض لك قبوله عرضك.

5. السُّؤال الموجَّه:

وهنا تسأل الطَّرف الآخر سؤالاً من أجل تحويل جلسة المواجهة إلى جلسة للتفتيش عن الحلول، فإن غضب الشَّخص من المفاوِض وطلب المغادرة، يستطيع المفاوِض هنا المناورة على الحالة، والحديث إلى مشاعر الشَّخص، كأن يقول: “يبدو أنَّك في حالة من المشاعر السلبية والوضع لا يريحك”، ومن ثمَّ يسأله سؤالاً موجَّهاً “هل برأيك مغادرتك الآن هي أنسب حل لإنهاء الجلسة؟” وهنا دعوة للشَّخص إلى المزيد من التروي والتريُّث وإعطاء الموضوع المزيد من الوقت لإيجاد الحل المناسب.

6. التعرُّف إلى أنماط الشَّخصيَّة:

لكي تكون مفاوضاً فعَّالاً، فيجب أن تعرف أنماط الشَّخصيات الَّتي من الممكن أن تصادفها في أثناء جلسات نقاشاتك، وذلك لكي تكتشف مفتاح التعامل مع كل شخصيَّة على حدة؛ فمن الممكن أن يكون الشَّخص المقابل لك من النَّوع التحليلي، وهذا النَّوع يعشق الأرقام والدقة، ولا يحب كثرة الكلام، وعادل جداً، ويتبنَّى الجديَّة والرسميَّة في أثناء النِّقاش ويملك تعابير وجه حادة جداً.

أما النَّوع الثَّاني فهو النَّوع الوفاقي، وهو النَّوع الَّذي يميل إلى بناء علاقات أكثر من اهتمامه بالأرقام والتفاصيل الأخرى، وينزع إلى موافقة الآخر على الدَّوام وقلَّما يعترض على أمر ما.

وأمَّا النَّوع الثالث فهو النَّوع المسيطر الَّذي يميل إلى الحديث عن نفسه وإنجازاته، ويتوقَّع الأخذ دوماً، فإن قدَّمت له وردة على سبيل المثال، يتوقَّع أن يأخذ منك بستان، ويميل إلى إنهاء الأمور بسرعة، فعامل الوقت لديه هام جداً.

7. عامل الوقت:

يلعب الشَّخص المفاوِض على عامل الوقت، بحيث يُشعِر الطَّرف الآخر أنَّه ليس لديه الوقت الكافي لإبرام الصَّفقة مثلاً، ممَّا يضع الطَّرف المقابل تحت حالة من الضَّغط وقد يقرِّر قبولها.

8. رسم خارطة طريق:

لكي يتأكَّد الشَّخص المُفاوِض من التزام وتطبيق الطَّرف المقابل للفكرة الَّتي طرحها؛ يسأله: “ما هي برأيك الإجراءات الواجب اتِّباعها للوصول إلى النتيجة المطلوبة، وكيف نُصلِح أخطاء التطبيق في حال وجودها؟”، يُشعِر هذا السُّؤال الشَّخص بالمسؤولية تجاه الموضوع، والالتزام نحوه.

يميل الشَّخص المفاوض لمعرفة مدى صدق الطَّرف المقابل معه إلى مراقبة لغة جسده، ونبرة صوته، حيث يميل الطَّرف الَّذي لن يلتزم بالفكرة إلى الصَّوت المنخفض، وعدم التواصل البصري، كما يميل إلى أن يكون كلامه غير متطابق مع لغة جسده ونبرة صوته، وقد يستطيع اللُّجوء إلى طريقة إعادة سُّؤال نفسه بأكثر من طريقة، فإن تغيَّر الجواب فهذا يعني أنَّ الطَّرف المقابل ليس صادقاً بالشَّكل الكافي.

وقد يستطيع اكتشاف مدى صدق الطَّرف المقابل من خلال استخدامه الجمل المعقَّدة والطَّويلة، حيث يميل الإنسان غير الصَّادق إلى إخفاء عدم صدقه من خلال الجمل الطويلة واستخدام ضمير “نحن” بدلاً من “أنا” وكأنَّه يضع ستار لكي لا يكتشف النَّاس كذبه.

الخلاصة:

إن كنت تريد أن تحيا حياة سعيدة وممتعة وغنيَّة؛ عليك أن تتقن فن الإقناع، فالشَّخص المُقنِع هو شخص استطاع إرضاء ذاته والآخر، واستطاع خلق التوازن في حياته، أي أنَّه دخل جنَّة الدُّنيا من أوسع أبوابها.

 

المصادر: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8


Source link

اظهر المزيد

عبدالله العرموطي

مصمم مواقع انترنت وأحد مؤسسين سويفت اند سمارت ومهتم بإنشاء مصدر عربي للتكنولوجيا والبرمجه سعيد جدا لكوني ضمن فريق عمل متميز ومهتم بمحتوى غني بالمعلومات للمبرمجين العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الاعلانات هي مصدرنا الوحيد لدفع التكلفة التشغيلية لهذا المشروع الريادي يرجى الغاء تفعيل حاجب الأعلانات