منوعات

فن المناظرة وأهدافه وشروطه

يسرد لنا القرآن الكريم مناظرة حصلت بين نبي الله إبراهيم عليه السلام والنمرود الذي ادَّعى الربوبية؛ فالمُناظرة موجودة منذ القدم وهي علم -بحد ذاته- يتكون من قضية وطرفين مختلفين، منهم المؤيد لهذه القضية ومنهم المُعارض، وقد يكون الإختلاف بجزئية معينة من القضية.

تتم المُناظرة بتقديم الإثباتات والأدلة والبراهين من كِلا الطرفين عمَّا يحاولان الدفاع عنه أو دحضه، فيُمكن للقضية أن تكون علمية أو دينية أو سياسية أو أدبية.

سوف نُغطي في مقالنا هذا أغلب الجوانب والتفاصيل المتعلقة بعِلم المُناظرة، لنتبيَّن معناها ونُعرِّفها تعريفاً صحيحاً، كما سنتحدث عن أهمية المُناظرة وهدفها الأساسي والفوائد التي قد تُجنى منها، ومن ثم سنتتطرَّق للحديث عن أطراف المُناظرة وأعضائها، لنتعرف سوياً على المهارات التي يجب أن يمتلكها المُناظر، وما هي أخلاقيات المناظرة، حيث أنَّ لها آداباً وشروطاً يجب اتِّباعها.

ماهي المُناظرة؟

يُمكن القول أنَّ المُناظرة تُعد شكلاً من أشكال الخطاب الموجَّه بين شخصين أو أكثر حول قضية ما، وقد عُرِّفت في القاموس على أنَّها حوار وجدال علمي يقوم أطرافه بالتحاور حول قضية فيها إشكالية معينة، ويكون هناك طرف مؤيد وطرف آخر مُعارض، كما تُعرَّف المناظرة بأنَّها نوع من الحوار بين طرفين أو أكثر، بحيث يكون كِلا الطرفين على معرفة بالقضية المطروحة للمناظرة، وتقوم المناظرة على أساس وجود طرف مؤيد وآخر معارض أو لديه رأي مُخالف في أحد النقاط المطروحة ضمن إطار القضية، حيث يقوم كل طرف بمحاولة إثبات صحة رأيه والدفاع عنه باستخدام الحُجج والبراهين العلمية محاولاً إقناع الجماهير برأيه وبراهينه.

تُعقد المناظرات حول قضايا اجتماعية أو دينية أو سياسية أو علمية، وتختلف أساليبها من مناظرة لأخرى ومن شخص لآخر، وما يحدد الأسلوب هو الوقت والمكان والقضية التي عُقدت المُناظرة لأجلها، كما يُمكن خلال المُناظرة مشاركة الجمهور من خلال الاستفسار حول نقاط معينة تخصُّ القضية المُتناظر عليها.

أهداف المُناظرة:

للمُناظرة أهداف كثيرة منها إثراء الثروة الفكرية واللغوية باستخدام لغة سليمة، كما أنَّها تُفيد بإيجاد حلول للقضايا الشائكة والمشكلات التي يُمكن حلها من خلال عقد المُناظرات، إضافة إلى توحيد الأفكار بطريقة صحيحة.

تتميز المُناظرة بأنَّها اختلاف لا خلاف، وبأنَّها مبنية على أسس منهجية من خلال تقديم البراهين والإثباتات، وليست خلافاً لأجل الخلاف.

أهمية المُناظرة:

تكمن أهمية المُناظرة بأنَّها تعزز الثقة بالنفس واكتساب المعارف المتنوعة، كما أنَّها تُنمِّي مهارة التحليل والبحث العلمي، وتُقوِّي المخزون اللغوي والفصاحة والخطابة عند الفرد، وكذلك تُعزز القدرة على التركيز والتفكير المنطقي السليم، والنقاش على أساس منهجي وواقعي مع امتلاك البراهين والأدلة، كل هذه الأمور تُعد مهمة على مستوى الفرد، أمَّا على مستوى المجتمع فإنَّها تحل قضايا شائكة ومعقدة منها الاجتماعية والسياسية والدينية أيضاً.

آداب المُناظرة:

للمُناظرة آداباً يجب التقيُّد بها من أجل الخروج بفائدة دون خلاف بين الجهات المُتناظرة؛ من هذه الآداب وجوب تحديد نقاط التوافق بين الطرفين المُتناظرين لتضييق نطاق المشكلة وتحديدها وإظهار الحقيقة، ومن الآداب أيضاً عدم التمسُّك بالرأي والتَّزمُّت للتهرب من الاعتراف بحقيقة قول الطرف المُقابل، كذلك الابتعاد عن الكلمات الجارحة والخادشة للحياء، أو وصف الطرف المقابل بصفات غير مرغوب بها، فقد تحدثنا بداية المقال عن أنَّ المُناظرة اختلاف لا خلاف، وهدفها السامي مناقشة الأفكار لا الأشخاص للوصول إلى الحقيقة التي يُفترض أن تعم الفائدة من ورائها، ومن الآداب الأخرى احترام الطرف المُقابل ومنحه الوقت الكافي كي يُعطي رأيه، ويحدد النقاط التي لديه من أجل إيصال فكرته.

شاهد بالفيديو: 20 نصيحة لإتقان فن الحديث والحوار مع الآخرين

 

شروط المُناظرة وقواعدها:

هناك شروط وقواعد يجب اتِّباعها في المُناظرات، وعلى جميع الأطراف الإلتزام بها؛ وهي كالتالي:

  1. على الأطراف المُتناظرة معرفة قواعد وآداب المُناظرات.
  2. المعرفة والإلمام بالموضوع الذي أُقيمت من أجله المُناظرة.
  3. يجب أن تكون المواضيع ذات أهمية وتستحق المُناظرة، لا أن تكون من البديهيات والأمور الواضحة.
  4. أن يكون هدف جميع الأطراف المُتناظرة توحيد الأفكار وتصحيحها.
  5. أن تحتوي جُعبة الأطراف المُتناظرة على ما يكفي من البراهين والإثباتات لإقناع الطرف الآخر واللجنة والمشاركين؛ إذ تُبنى المُناظرات على أساس مشكلة مع براهين.
  6. الدليل لا يُختصر بل يجب ذكره بكامل تفاصيله، وذلك لأهميته في المُناظرة.
  7. أن يسعى جميع الأطراف للوصول إلى الحقيقة، بغض النظر عن الجهة التي تمتلكها.
  8. يجب أن يتحلى الأطراف بالموضوعية والشفافية.
  9. يجب على الأطراف ترك العنصرية والتَّزمُّت بالرأي.
  10. لا فائدة من وجود دليل ضعيف في المناظرة، على الأطراف المُتناظرة أن يملكوا دلائل قوية يُمكن الارتكاز والاعتماد عليها؛ إذ يُعَد امتلاك الأطراف المُتناظرة لدلائل ضعيفة أمراً غير منطقي وعديم الفائدة، ويؤدي للخروج من المُناظرة دون أدنى نتيجة يمكن الاعتماد عليها.

فوائد المُناظرة:

إنَّ للمُناظرة فوائد لا حصر لها، حيث أنَّها تمنح الأفراد خبرات ومهارات مختلفة، كالقدرة على إدارة الوقت ومناقشة المواضيع والقضايا، وتنمية مهارات الخطابة وحسن الاستماع والتواصل عموماً من خلال إدراك المُناظر أهمية تقديم الحجج والدلائل، كما تزيد المُناظرة من الثقة بالنفس عند التحدث أمام الجمهور، وتفيد في الاطلاع على كثير من المواضيع والاستماع لكافة وجهات النظر بطريقة صحية، وكذلك تعزز النقد البنَّاء لدى الأفراد، وتساعد على العمل بروح الفريق الواحد، وتعزز من القدرات والمهارات التحليلية لدى الأفراد.

من هم الأعضاء والفرق المُتناظرة:

تُشكَّل المُناظرات عادة من ثلاثة فرق مشاركة في عملية المُناظرة، الفريق الأول وهو الفريق المؤيد للموضوع أو الفكرة أو القضية الحالية، أما الفريق الثاني فهو الفريق الذي يخالف رأي الفريق الأول في القضية أو الموضوع، حيث يكون موضوع المُناظرة فكرة أو قضية معينة، يُقدم خلالها كل فريق وجهة نظره حولها. يُناظِر الفريق الأول في البداية والذي يكون مؤيداً للقضية أو الفكرة، ومن ثم الفريق الثاني المُعارض، كما أنَّ هناك لجنة تحكيم تُعد الطرف الثالث من عملية المُناظرة، مهمتها تنسيق وتحكيم عملية المناظرة، ويمكن في بعض المُناظرات جعل الجمهور مشاركاً من خلال الاستفسارات التي يحتاجون معرفتها.

الأدوار التي يلعبها المُتناظرون:

هناك أدواراً أساسية يلعبها المتُناظرين فيما بينهم وسنقوم بتقسيم هذه الأدوار كالتالي:

  • دور الفريق الأول (المؤيد): تفسير وتوضيح القضية المُراد إيصالها وكذلك الرؤية التي يتبناها الفريق بما يخص القضية، كما يتم توضيح الأدوار بين الفريق الواحد.
  • دور الفريق الثاني (المُعارض): التعريف بالفريق وطرح الرأي المُعارض للفكرة وإثبات الرأي من خلال الدلائل والبراهين، إضافة لتوضيح بعض المصطلحات التي يحدث بها لبس، كما أنَّهم يقدمون ما يدحضون به رأي ونظرية الفريق الأول.
  • دور فريق التحكيم: وهم الأشخاص الذين يحتكمون لديهم الفريقين.

كيفية امتلاك مهارة المُناظرة:

يجب على كل مُناظر أن يمتلك كثيراً من المهارات والصفات التي تزيد من عملية إيصال الفكرة، هناك بعض الأمور التي تُفيد في عملية المُناظرة يجب أن يمتلكها المُناظر، وهي:

  1. يجب أن تكون النقاط التي تُطرح خلال المُناظرة ذات صلة بموضوعها.
  2. الابتعاد عن الآراء الشخصية، والتحدث بالدلائل والبراهين.
  3. المحافظة على تركيز الجمهور من خلال الإلقاء الجذَّاب وعدم تشتيت انتباهه.
  4. إطراء الجو من خلال إضافة حس الفُكاهة.
  5. المرونة وعدم التَّزمُّت، فقد تسمع رأياً تخالفه كلياً إلا أنَّ عليك تقبُّله كونك مُناظر.
  6. ترتيب الأفكار وتوضيح النقاط.
  7. التحدث بوضوح من خلال اللغة السليمة الواضحة.
  8. استخدام خِفة البيان لا الكلمات الصعبة والمتينة.
  9. توضيح بعض المصطلحات الاختصاصية وشرحها.
  10. التنبُّه للوقفات أثناء الحديث لما له من أهمية في شد الانتباه.
  11. التركيز على الكلمات المهمة والجوهرية وشرحها إذا لزم الأمر.
  12. الهدوء وعدم الانفعال أثناء الحديث.
  13. استخدام لغة الجسد والتركيز عليها.
  14. الحرص على التواصل البصري بالإضافة للتواصل اللفظي.
  15. الابتعاد عن صيغة المُبالغة.
  16. الابتعاد عن توجيه الملاحظات الشخصية للجهة الأخرى.
  17. الابتعاد عن تزوير وتحوير الحقائق والأدلة.
  18. عدم معارضة قرارات لجنة التحكيم ونتائجها.

أخلاقيات المُناظرة:

ليست من سِمة المُناظر التكبُّر أو الحقد أو حسد الطرف الآخر؛ كون المُناظرة اختلاف لا خلاف كما ذكرنا سابقاً، يُضاف إلى ذلك عدم اغتياب أعضاء الفريق الآخر والتحدث عنهم بسوء، أو التعرُّض لأي نقص قد يكون موجوداً في شخصيات الفريق الثاني، أمَّا خلال المناظرة، فلا بد من التحلي بالصدق والابتعاد عن الكذب والنفاق ومدح الذات، وإبداء التفهم في تقبل الحق وقبوله، والابتعاد عن كل ما هو رياء من خلال استعطاف الجمهور ولجنة التحكيم، والتحلي بالصبر والهدوء.

في الختام:

إنَّ المُناظرة عِلم قائم بحد ذاته له أصول وقواعد، تحدثنا في مقالنا هذا عن المُناظرة تعريفها ومفهومها، وما هي أهداف المُناظرة، وأهمية المُناظرة وآدابها، وما هي الشروط والقواعد التي يجب أن تتوفر في المُناظرة، كذلك عدَّدنا الفوائد التي يُمكن الحصول عليها من خلال المُناظرات، كما ذكرنا من هم الأعضاء والفِرق التي تضمُّها المُناظرة، وما هي الأدوار التي يلعبها كل فريق من فرق المُناظرة، وما هي المهارات التي يجب أن يتحلى بها المُناظرون ويحصلوا عليها من أجل امتلاك هذه المهارة، وما هي الأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها المُناظر.

 

المصادر: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7


Source link

اظهر المزيد

عبدالله العرموطي

مصمم مواقع انترنت وأحد مؤسسين سويفت اند سمارت ومهتم بإنشاء مصدر عربي للتكنولوجيا والبرمجه سعيد جدا لكوني ضمن فريق عمل متميز ومهتم بمحتوى غني بالمعلومات للمبرمجين العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الاعلانات هي مصدرنا الوحيد لدفع التكلفة التشغيلية لهذا المشروع الريادي يرجى الغاء تفعيل حاجب الأعلانات