منوعات

كيف تبذل جهوداً أقل وتحقق إنتاجية أكثر

ملاحظة: هذه المقالة مأخوذة عن الكاتب مارك مانسون (Mark Manson)، والذي يحدِّثنا فيها عن تجربته في تحقيق إنتاجية أكبر.

وفي الواقع، يمكنني أن أجزم بكل ثقة أنَّني أنجزتُ في الأشهر الثلاثة الأخيرة أكثر بكثير مما عملت خلال 12 شهر، فهل حققتُ ذلك لأنَّني عملتُ كالمجانين لأتمكن من الالتزام بموعد نهائي؟ أم تناولتُ حبوباً منشطةً، وعملتُ لـ 36 ساعة متواصلة أو ما شابه؟

بالطبع لا! في الواقع، لقد عملتُ خلال الأشهر الثلاثة الماضية بشكل أقل يومياً مما كنت أعمل خلال 12 شهر، ومع ذلك تمكنت من إحراز إنجازاتٍ أكثر.

في هذه المقالة، أرغب في أن أناقش موضوعاً بسيطاً: حينما يتعلق الأمر بالإنتاجية، فإنَّ الأمور ليست كما تبدو عليه.

يتمحور كل كتاب يتعلق بتعزيز الإنتاجية بدءاً من تلك التي ألَّفها ديفيد ألين (David Allen)، ووصولاً إلى كُتب بينجامين فرانكلين (Benjamin Franklin)، حول النصائح ذاتها تقريباً: وهي الاستيقاظ مع بزوغ الفجر، وتناول المشروبات التي تثير نشاطك، وتقسيم عملك إلى مهام صغيرة، ومرتبة حسب درجة الإلحاح والأهمية، وإنشاء قوائم وجداول زمنية شديدة الدقة، وجدولة المواعيد قبل 15 أسبوعاً، وإنجاز كل شيء باكراً.

ولكنَّني أكره الصباح كثيراً، هل تعلم ما هو “روتيني الصباحي؟”، إنَّه النهوض، وتصفُّح مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا كنت محظوظاً، فإنَّ المحتوى الرديء الذي أقرؤه يثير فيني من الغضب ما يكفي لأبدأ الكتابة دون أن أدرك ذلك (فهل هناك ما هو أهم من إثبات أنَّ ما يقوله شخص ما على الإنترنت هو خاطئ؟)؛ الحقيقة هي أنَّني أكتب أفضل أعمالي في الساعة الثالثة صباحاً، أثناء الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة، وآخذُ إجازات عشوائية أيام الخميس، كما أنَّني أكره الجداول الزمنية، ولا أمتلك واحداً، حتى بعد إدارة عملي الخاص عبر الإنترنت لما يقرب من 10 سنوات.

قد تناسبني طريقة حياتي هكذا، ولكن قد لا تناسبك أنت؛ فلماذا تتكبد عناء الحديث عن الأمر؟ لذا أعتقد أنًّ الإنتاجية هي أمر شخصي للغاية؛ إذ نتمتع جميعاً بطريقة تفكير مختلفة، وبالتالي، نمتلك ميولاً، ووجهات نظر، وظروفاً مختلفة نشعر فيها بأكبر قدر من الفاعلية.

لذا، في المرات القليلة التي حاولتُ فيها الخوض في موضوع الإنتاجية هذا، ارتأيتُ التركيز على فهم نفسية الإنسان، بدلاً من اقتراح استخدام تطبيقات جديدة أو ممارسة طقوس صباحية، على سبيل المثال، يرتبط التسويف ارتباطاً وثيقاً بالقلق؛ لذا من الهام أن تفهم اضطراباتك العصابية، ومخاوفك، ويتطلب إنجاز العمل حافزاً، وبالتالي فإنَّ تطوير عادات شخصية كفيلة بمنحك الدوافع اللازمة لإنجاز عملك أهم بكثير من تناول المُكمِّلات الغذائية، أو ممارسة تمارين اليوغا في الصباح.

لقد علَّمني كتاب “فن اللامبالاة” (The Subtle Art of Not Giving A F*ck) الكثير عن طبيعة العمل، إلى جانب أنَّه سبَّب ظهور الشيب في رأسي، وأرَّق مضجعي أكثر مما أتذكر، وكان الكثير من ذلك يتعلق بكيفية تطور وجهة نظري تجاه العمل نفسه خلال فترة تأليف الكتاب، فقد تفاجئك هذه الفكرة، ولكن لا يتم إنجاز جميع أنواع العمل باتباع الأساليب ذاتها، على سبيل المثال، قد لا تفيد نصائح الإنتاجية المُتَّبعة عند رسم المناظر الطبيعية بالألوان المائية في حساب العائدات الضريبية في الوقت المحدد، كما أنَّ النصيحة التي قد تساعدك على إعادة تنظيم الفريق الذي تديره للتخلص من بعض العراقيل ليست ذاتها التي من شأنها أن تساعدك على تنظيف شقتك بشكل أسرع؛ لذا إذا كانت لديك رغبة شديدة في رسم منظر طبيعي، أو حساب العائدات الضريبية في نهاية هذا الأسبوع، اتَّبع الخطوات الآتية:

1. العمل بمبدأ الدالة الخطية:

يستوعب معظمنا فكرة العمل بمبدأ الدالة الخطية، وما أعنيه بكلمة “خطية”، هو أنَّ حصيلة إنتاجيتك تتناسب طردياً مع عدد الساعات التي تعملها؛ لذا فإنَّ العمل لمدة ساعتين سوف يحقِّق ضعف النتائج التي تحققها حينما تعمل لمدة ساعة واحدة، والعمل لثماني ساعات سيحقق أربعة أضعاف النتائج التي تحققها خلال ساعتين، حيث نمضي جميعنا في الحياة على افتراض أنَّ هذه هي الطريقة المثلى لإنجاز المهام (في أغلب الأحوال)؛ ذلك لأنَّ التعليم القائم على التلقين وحشو المعلومات، الذي تتَّبعه المدارس، يعمل بشكل خطي للغاية؛ فكلما قضيتَ وقتاً أطول في الحفظ، تتذكر المعلومات بشكل أفضل، ثم تمضي بنا الأيام ونحن نظنُّ بأنَّ كل شيء سيسير على هذا النحو لبقية حياتنا؛ ولكنَّ الأمر ليس كذلك؛ فالحقيقة هي أنَّ العمل الذي يتطلب إنجازه الكثير من التمعن والعناية لا ينجح بهذه الطريقة؛ فنشعر بأنَّ الأمر غير منصف أبداً؛ لذا نقضي الكثير من الوقت نشكو، ونختلق الأعذار، ونتَّهم المدراء بأنَّهم لا يُقدِّرون “عبقريتنا”.

إنَّ الأعمال الوحيدة التي تُعدُّ خطيةً هي تلك البسيطة التي تتسم بالرتابة، كنقلِ حزمات القش، أو الصناديق، أو العمل المزعج الذي يتمحور حول إدخال البيانات في جداول بيانات ضخمة، أو تشغيل المقلاة في مطعم ماكدونالدز (McDonald’s)؛ فكلما زادت ساعات العمل، تعزَّزت الإنتاجية أكثر.

تنبع ثقافة العمل الدؤوب في عالم الشركات الناشئة من فكرة أنَّ “العمل يسير وفق مسار خطي”، وبما أنَّهم يعتقدون أنَّ الإنتاجية تزيد كلما زادت ساعات العمل، فإنَّهم يصِفون جميع أولئك الذين لا يعملون وفق هذا المبدأ بأنَّهم مجرد مجموعة من الكسالى، وهم أولئك الذين ينبغي أن يستيقظوا قبل الفجر، ويستمروا في تأدية مهامهم الرتيبة حتى تذوب مقلتا عينيهم.

ورغم مقدار النية الحسنة، والسحر الذي تنطوي ثقافة العمل الدؤوب عليه، فغالباً ما ينقلب ذلك السحر على الناس؛ ذلك لأنَّ معظم أنواع العمل (وخصوصاً ذلك الذي سيكسبك بعض المال) لن يعود عليك بنتائج خطية، بل سيؤدي إلى تناقص إنتاجيتك.

شاهد بالفيديو: 8 طرق للعمل بشكلٍ أذكى وزيادة الإنتاجية

 

2. العمل الذي يؤدي إلى إنتاجية متناقصة (أو حتى سلبية):

تخيل أنَّك خرجتَ لممارسة رياضة الجري لمدة 10 دقائق؛ والذي من شأنه أن يفيد صحتك، ولكن تخيل الآن أنَّك جرَيتَ لمدة 20 دقيقة؛ صحيح أنَّ الأمر سيفيدك للغاية أيضاً، ولكنَّه لن يمنحك بالضرورة ضعف الفائدة التي قد تأخذها خلال عشر دقائق، وماذا لو جرَيتَ لمدة ساعة؟

ستجهد نفسك بالتأكيد، ولكنَّك على الأغلب ستجد أنَّ المنفعة التي اكتسبتها، كانت خلال أول عشر دقائق فقط؛ حيث تعود التمارين الرياضية عليك بنتائج عكسية، ذلك لأنَّ العضلات تُصاب بالتعب، وتتضاءل قدرتها على النمو أكثر، حتى تكاد تصبح معدومة؛ فقضاء ساعتين في صالة الألعاب الرياضية لن يعود عليك سوى بالقليل من الفائدة، أو حتى لن يفيدك أبداً كما يفيدك قضاء ساعة؛ حيث تمنحك ممارسة التمارين الرياضية لمدة ساعة واحدة فقط فائدةً أكبر قليلاً من ممارستها لـ 45 دقيقة،.

ينطبق الأمر ذاته على أغلب المهام التي نؤديها؛ ذلك لأنَّ الدماغ يُصاب بالتعب كالعضلات تماماً؛ وإذا كنت تمرِّن عقلك من خلال حل المشكلات، أو اتخاذ القرارات الهامة، فستضعف قدرتك على إنجاز المهام التي تؤديها خلال اليوم بفاعلية.

لقد كانت تعمل زوجتي في مجال الإعلان، ومثل العديد من المجالات، كانوا مهووسين بالعمل لساعات طويلة جداً، وخصوصاً إذا كان من المقرر إعداد عرض تقديمي، أو اقتراح حملة، وكان الموظفون يمكثون لوقت متأخر للغاية، وغالباً ما يعملون حتى الساعة 9 أو 10 ليلاً، حتى أنَّهم كانوا يعملون يوم السبت أحياناً، ولكنَّها لاحظتْ أنَّ معظم هذا الوقت الإضافي كان غير فاعلٍ للغاية؛ حيث أسهمت الساعات الأربع التي كانوا يعملونها في نهاية اليوم بإنتاج نفس مقدار العمل المفيد الذي كانوا ينتجونه خلال أول ساعتين من اليوم.

لقد كان الناس يعملون كالعبيد للحصول على المزايا الهامشية، وفي أسوأ الحالات، كان يبدأ الموظفون في إنتاج عمل رديء، أو اتخاذ قرارات سيئة؛ لأنَّهم كانوا متعبين للغاية، وحينما تُراكم مقداراً كافياً من الأعمال الرديئة، والقرارات السيئة، فإنَّك في الواقع تخلق المزيد من العمل لنفسك دون قصد، وتنتقل من حالةٍ من الإنتاجية المتناقصة إلى حالةٍ من الإنتاجية السلبية.

لقد حدث هذا الأمر معي حينما بدأت تأليف كتابي؛ حيث كنت أجتمع مع عدد من الكتَّاب الآخرين لإجراء “ماراثون” لكتابة أكبر عدد ممكن من الكلمات خلال تلك الجلسة، لقد كانت في الأساس مسابقةً مزعجةً للغاية؛ حيث كنا نتباهى بعدد الكلمات التي كتبناها حينما كنا نجتمع مساء ذلك اليوم، وقد وصلت أقصى إنتاجيتي إلى كتابة 8000 كلمة في حوالي 6 ساعات من العمل، وكم كانت فرحتي عظيمة بذلك؛ فقد أنجزتُ 32 صفحة في يوم واحد؛ إذ لا يتطلب الأمر سوى 10 أيام من العمل بهذا القدر من الإنتاجية لتأليف كتاب كامل.

ولكن كانت ثمة مشكلة واحدة فحسب؛ وهو أنَّ كل ما كتبته كان رديئاً للغاية، وعندما بدأتُ في مراجعة الفصل الذي كتبته بعد بضعة أسابيع، اكتشفتُ أنَّ حوالي 500 كلمة من بين الكلمات التي بلغ عددها 8000 كلمة كانت مفيدةً فقط، وتكمن المشكلة في أنَّني استغرقتُ أربعة أيام لتنظيم كل تلك الفوضى، وإعادة كتابة الأجزاء القليلة التي كانت قابلةً للإصلاح، واتخاذ قرار بحذف الأجزاء التي كانت الأسوأ بينها، وفجأةً، ولَّدت موجة الإبداع الهائلة التي جعلتني أكتب 8000 كلمةً كماً هائلاً من العمل الإضافي، لدرجة أنَّه كان من الأفضل لو لم أكتب أبداً طوال ذلك اليوم.

لقد كان الاستنتاج العظيم الذي خرجتُ به هو أنَّه حينما يتعلق الأمر بالعمل الإبداعي، فلم تتناقص إنتاجيتي فحسب؛ بل أدى الاستمرار في الكتابة إلى نتائج سلبية عند مرحلة معينة؛ لأنَّه يولِّد المزيد من العمل الذي تحتاج مراجعته وتعديله إلى وقتٍ أطول، لقد كنتُ مقتنعاً بفكرة أنَّه كلما عملتُ أكثر، كان أفضل خلال معظم السنة الأولى التي قضيتها في تأليف كتابي، ولكن حينما أنظر إلى الماضي، أرى أنَّني أمضيت نصف ساعات العمل على الأقل في إصلاح الفوضى التي سبَّبتُها دون داع في المقام الأول؛ لذا وفي نهاية الأمر، وبعد شهور من التخبط في مشاعر الإحباط، بدأت ألاحظ أنَّ ما كنت أكتبه خلال أول ساعة أو ساعتين كان رائعاً في معظم الأيام؛ حيث كان يتطلب القليل من المراجعة، وعادةً ما كان يتناسب تماماً مع الرسالة التي كنت أحاول التوصل إليها في الكتاب، كما كان ما أكتبه خلال 3 أو 4 ساعات مزيجاً من العمل الجيد والرديء؛ فحينما كنت أحظى بيوم جيد، كنت أُنتج محتوىً جيداً (رغم أنَّه لم يكن بجودة المحتوى الذي كنت أُنتجه خلال أول ساعتين تقريباً)، ولكن حينما كنت أمرُّ بيوم عصيب، كان معظم ما أكتبه غير مفيد، وكنت أراكم المزيد من العمل على نفسي.

وأما بالنسبة لما كنت أحاول كتابته بعد مرور أربع ساعات من العمل، فقد كان سيئاً للغاية، وأدى إلى نتائج سلبية، لدرجة أنَّه كان من الأفضل أن أستمتع بألعاب الفيديو، أو أي نشاط آخر بدلاً من العمل، ولم أتشجَّع لتخفيض فترة عملي إلى ساعتين في اليوم إلا بعد أن قضيتُ أكثر من عام في الكتابة، كنت لا أزال مقتنعاً بفكرة النتائج الخطية، وكنت مُغيباً للغاية بالفوضى الهائلة التي خلَّفتها المسوَّدة الأولى (والتي كانت 125000 كلمة، ومعظمها كلام فارغ)، لدرجة أنَّني كنت أخشى اكتشاف أنَّ أكثر من 50% من العمل الذي أنجزته العام الماضي كان عديم الجدوى، وخفَّض من إنتاجيتي كذلك، ولكنَّني جرَّبتُ الأمر، وكم كانت مفاجئتي عظيمةً حينما تمكنتُ من إعداد مسوَّدة جديدة للكتاب في غضون شهرين.

أعتقد أنَّ معظم العمل الإبداعي يسير في إطار المنحنى الخاص بالنتائج السلبية؛ إذ حصل معي الأمر ذاته حينما كنت أعمل في مجال التصميم؛ حيث كنت أظلُّ أعبث بالصورة التي أصمِّمها لدرجة أنَّني لم أعد أستطيع تمييز فيما إذا كانت تبدو جيدةً أم لا، ثم أقضي بعدها الليل أحاول أن أجعلها “تبدو مقبولة”، لأستيقظ في الصباح التالي، وأكتشف أنَّ الفكرة كانت سيئةً في المقام الأول، وكان من الأفضل أن أبدأ من جديد.

يمكن أن يولِّد العمل ذو الطابع الاجتماعي، أو الذي يتطلب الكثير من تضافر الجهود الجماعية نتائج سلبيةً أيضاً؛ فإذا كنت دائم الإصرار على أن يكون عملك مثالياً، قد تتسبب بإبعاد العملاء، والذي قد يكلِّفك أرباحاً طويلة الأمد، ولن تؤدي إدارة موظفيك بشكل تفصيلي إلى خفض إنتاجيتهم فحسب، بل سيكرهونك، وستضعف روحهم المعنوية لتحقيق نتائج في المستقبل.

3. نقاط القوة والضعف للعمل:

أُعيد وأُكرر: لا يتم إنجاز كل أنواع العمل باتباع الأساليب ذاتها؛ إذ يتمتع كل عمل، أو وظيفة، أو مشروع بنقطة قوة تجعل كل ما تقوم به أكثر فاعلية؛ فقد تكون نقطة القوة هذه طقساً تتبعه لتحافظ على الروح المعنوية العالية لموظفيك إذا كنت مدير فريق، أو تَعلُّم أنواعٍ جديدةٍ من قواعد البيانات إذا كنت مبرمجاً، أو تحسين مظهرك، وتعلم كيفية فهم عملائك على المستوى العاطفي إذا كنت تعمل في مجال المبيعات.

حينما يتعلق الأمر بالمحتوى الذي تنشره عبر الإنترنت، يُعدُّ تسويق الاسم تجاريَّاً نقطة قوة؛ فكلما أتقنتَ عملك أكثر، تضاعفَ تأثير ذلك على كل أمر آخر تفعله؛ حيث ستصبح المبيعات أسهل، وستتحسن حركة مرور البيانات، وسيتحدث الناس عنك، وينشرون المحتوى الذي تنشئه بكفاءة أكبر؛ لذا، فإنَّ إتقان إنجاز بعض جوانب عملك يمكن أن يجعل كل شيء آخر أسهل بكثير، وعلى الجانب الآخر، قد تخلق بعض جهات العمل نقاط ضعف تجعل العمل أصعب بكثير.

على سبيل المثال، لقد كانت الوظيفة “الحقيقية” الوحيدة التي عملت بها في حياتي هي في أحد البنوك لمدة ستة أسابيع تقريباً، لقد كان لهذا البنك (الذي سيظل مجهول الاسم) إجراءً محدداً للغاية لإدخال نوع معين من البيانات يتضمن استخدام برنامج قديم للغاية، وطريقة رديئة لإدخال البيانات؛ مما جعل العملية برمتها بطيئةً ومملةً جداً، لقد كوَّن البنك نقطة ضعف جعلت جميع الأعمال الأخرى أبطأ وأكثر صعوبة، وحينما شرحتُ لمديري أنَّه يمكن التعامل مع كل هذا العمل من خلال إنشاء نص بسيط، وتجميعه في جدول بيانات، طلب مني أن أغلق فمي، وأُدخِل البيانات بالطريقة المطلوبة، ثم قدَّمتُ استقالتي بعد بضعة أسابيع.

4. يُعدُّ الكسل الاستراتيجي نقطةَ قوة:

لنفترض أنَّك تحب تناول الطعام الهندي أكثر من أي شيء آخر في العالم، وخرجت إلى مطعمك المفضل لتستمتع بالتهام طبق كبير منه بشراهة، ثم غادرت وقابلت شخصاً قدَّم لك مقداراً قليلاً من الطعام ذاته؛ فكيف ستشعر؟، لقد مررنا جميعاً بهذا الموقف، حين نفرط في تناول طعام نحبه، لدرجة أنَّ مجرد التفكير به يُشعرنا بالغثيان لأسبوع، ولكن يتحسن الوضع مع مرور الوقت، وبعد حوالي أسبوع أو أسبوعين، ستكون جاهزاً للعودة إلى المطعم، وتناول طعامك المفضل مجدداً.

يعمل دماغك بالطريقة ذاتها حينما يتعلق الأمر بالإنتاجية؛ حيث يمثِّل حل المشكلات غذاءً لعقلك، ويجعلك سعيداً ويمدك بإحساس بالقيمة والقوة، والذي يرتبط بالسعادة أيضاً، ومثلما يحتاج الجسد للغذاء، كذلك العقل يحتاج لحل المشكلات، ويتطلب مختلف أنواع المحفزات، ويؤدي الإفراط في استخدام نوع واحد فقط إلى خموله.

إنَّ الأمر المدهش هو أنَّ وقت الفراغ الذي نقضيه، والقدرة على تشتيت عقولنا عن حل المشكلات والعمل، يعزز من فاعلية دماغك عند العودة إلى العمل، وقد يبدو هذا الكلام منافياً للمنطق، ولكنَّ العطلات والإجازات وُجِدَت لسبب وجيه.

لقد كنت مدمناً على العمل بشكل لا يصدق، حينما أطلقتُ عملي الخاص في عام 2008؛ حيث كنت أعمل من 14-15 ساعة يومياً، ونادراً ما آخذ إجازة، ورغم أنَّني كنت أسافر باستمرار، إلا أنَّني نادراً ما كنت آخذ “إجازات” بالمعنى الحرفي لها، بل كنت أقضي وقتي في العمل، والتحقق من بريدي الإلكتروني، ولم أتوقف عن فعل ذلك حتى قابلت زوجتي (والتي كانت لا تعمل أكثر من 8 ساعات يومياً)، والتي طلبت مني وضع الكمبيوتر المحمول جانباً، وقضاء الوقت معها، لقد أصابني ذلك بالرعب بالطبع؛ حيث كان الأمر أشبه بمطالبة شخص ما بمغادرة المنزل دون ذراعه اليمنى، وقضيت الليلة الأولى أرتجف من الخوف، والأفكار السلبية تطاردني؛ فقد حلمتُ بأنَّه تم اختراق موقعي الإلكتروني، وسرقة هويتي ولم يكن بوسعي القيام بأي شيء، وتخيلت أنَّ النيران تلتهم خوادم الويب في الوقت نفسه الذي كانت تُسرق فيه حساباتي المصرفية، لم يحدث أي من ذلك بالطبع، بل ما حدث في الواقع عكس ذلك تماماً؛ فقضاء عطلة على الشاطئ برفقة أفكاري، وزوجتي الرائعة لخمسة أيام، دون هاتف، أو حاسوب، أو أي جهاز إلكتروني، جعلني أرى عملي الخاص بوضوح أكثر من قبل؛ حيث كان الأمر أشبه بقضاء خمس سنوات من عمري منهمكاً انهماكاً شديداً في العمل، ومهووساً بتمحيص كل جزء وتفصيل منه، لأرتفع بعدها عالياً، وأُلقي نظرةً شاملةً على الأمر برمته بصورة أعمق من أي وقت مضى.

لقد راودتني فكرتان على ذلك الشاطئ غيرتا حياتي كلياً؛ كان أولهما ممارسة تسويق العلامة التجارية الشخصية من خلال تسمية الموقع باسمي، والذي شكَّل نقطة قوة أدَّت إلى ازدياد حركة مرور البيانات بمقدار خمسة أضعاف، وازدياد مدخولي بمقدار ثلاثة أضعاف؛ حيث وصل عدد زوار الموقع إلى ملايين الأشخاص، وتمت مشاركة مقالاتي في أكثر من 100 دولة، وتم نشرها في بعض من أهم الصحف المرموقة حول العالم؛ وكان كل ذلك يحدث من خلال العمل لمدة أقل مما كنت أعمل سابقاً، وفي حين أمضيتُ سنوات في محاولة تطوير موقع الويب الخاص بي عبر قوة الإرادة الصلبة، والالتزام بالوقت، إلا أنَّني لم أتمكن من تحقيق الازدهار، وحتى دون الحاجة إلى نصف الوقت الذي كنت أقضيه في العمل، إلَّا من خلال التخلص من العراقيل التي كانت تقف في طريقي، وأما الفكرة الثانية، التي خطرت ببالي بينما كنت على ذلك الشاطئ، فكانت تأليف كتابي.

 

المصدر


Source link

اظهر المزيد

عبدالله العرموطي

مصمم مواقع انترنت وأحد مؤسسين سويفت اند سمارت ومهتم بإنشاء مصدر عربي للتكنولوجيا والبرمجه سعيد جدا لكوني ضمن فريق عمل متميز ومهتم بمحتوى غني بالمعلومات للمبرمجين العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الاعلانات هي مصدرنا الوحيد لدفع التكلفة التشغيلية لهذا المشروع الريادي يرجى الغاء تفعيل حاجب الأعلانات