ماهو التغيير؟ وهل عليك تغيير نفسك أم تغيير أفعالك؟

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب الأكبر مارك مانسون (Mark Manson) والذي يحدثنا فيه عن عدم جدوى محاولة تغيير نفسك.

لا يمكنك تغيير نفسك، لأنَّ فكرة التغيير برمتها اعتباطية، وما هي إلا شيء نختلقه لمنح أنفسنا بعض الشعور بالرضا (أو السوء).

انطلاقاً من تعريف التغيير، ليس هنالك أمر صحيح أو خاطئ بالمطلق. فمن الناحية التقنية، أنت تتغير أو لا تتغير، ويعتمد الأمر فقط على كيفية رؤيتك لما يحدث؛ فما تقرر تغييره أم لا، ما هو إلا محض خيالات تحدث في ذهنك.

قد تظن أنَّ صنع التغيير يتطلب منك إنفاق مبالغ طائلةً، فتقعد نادباً حظك لبقية عمرك، أو تقرر تغيير عادات أكلك، وكأنَّ التغيير بهذه بالسهولة لكنَّ مفهوم التغيير مختلف تماماً. 

ما هو التغيير؟

عندما ينهار الناس باكين أمام معالجيهم النفسيين أو أصدقائهم المقربين، ويقولون أنَّهم سيتغيرون أخيراً، فما وعودهم هذه إلَّا كذب وخيال. فمثلاً: إذا كانوا يكذبون، وكفُّوا عن الكذب، فهل هذا يعني أنَّهم قد تغيروا بالفعل؟ وهل سيحافظون على الوعد ولن ينكثوا به مطلقاً؟ ألن يكذبوا مجدداً؟ وحتى لو أخلُّوا بالوعد، فهل الأمر بهذه الأهمية؟

تخطر هذه الأسئلة في بالنا، لكنَّنا في الحقيقة لا نعرف الإجابة عنها.

لا نعلم ما هو التغيير في الحقيقة، لأنَّنا لا نعرف مَن نكون في الأساس؛ فإذا استيقظتَ غداً وفعلتَ عكس ما تفعله اليوم في كل شيء، فهل يعني ذلك أنَّك تغيرتَ؟ أم أنَّك ببساطة نفس الشخص الذي قرر تجربة شيء مختلف؟ والأهم من ذلك أنَّ لا أحد سيهتم بذلك.

تتمثل مشكلة استخدام مصطلح “تغيير”، في كونه يمس هويتك، فتتعلق عاطفياً بأشياء خيالية، وبالنتيجة تبدأ في جلد ذاتك وندب حظك وتلوم الآخرين لأنَّك شخص ميؤوس منه في هذا العالم.

إن قلت: “أريد الذهاب إلى النادي الرياضي كل أسبوع”، فهذا بيان بسيط مفاده أنَّك ترغب بالذهاب، فإمَّا أن تذهب أو لا؛ أمَّا إن قلت: “لقد حان الوقت لأتغير أخيراً وأصبح الشخص الذي يذهب إلى النادي الرياضي كل أسبوع”، فيعني هذا البيان أنَّه للذهاب إلى النادي الرياضي، عليك أن تعيد تكوين نفسك من جديد، ممَّا يزيد المخاطر العاطفية المترتبة على هذا القرار.

إذا نجحت، فسيعتريك شعور بالسعادة لأنَّك “شخص جديد”، وسيستمر هذا الشعور حتى المرة القادمة التي تتحمس فيها للتغير مجدداً؛ أمَّا إذا فشلت، فسوف تعاقب نفسك على كسلك الذي لا علاج له.

وهذه هي مشكلة ارتباط هويتك بالتغيير؛ فعندما تفشل في شيء ما، تبدأ بالتفكير: “ربما أنا غير أهل لهذا، أو لست واحداً من هؤلاء الأشخاص الرياضيين، ربما لا تناسبني الرياضة أساساً، فلمَ أكلف نفسي عناء المحاولة؟”.

نظراً لأنَّك قررت أنَّ هذه الأفعال الاعتباطية تمثِّل مجمل شخصيتك، فسوف يكون الفشل سبباً في أن تباشر التمرين، لاعتقادك أنَّ قيمتك كإنسان تعتمد عليه. سوف تكره نفسك، ويبرد حماسك للتغيير، أو القيام بأيِّ شيء آخر في المستقبل.

من جهة أخرى، إذا نجحت، فستعتاد على هذا الشعور الطيب ولن تكون مدركاً لفعلك؛ لكن قريباً، ستتضاءل تلك الإثارة، وتحتاج إلى اختبار نوع جديد من التغيير لتحقيقه. وقد تصبح بعد ذلك مدمناً على التغيير الشخصي كما تدمن على الكافيين.

إليك نصيحة مفيدة: لا تحدد ممارسة الرياضة هويتك، فمن يمارسون الرياضة مجرد أشخاص يذهبون إلى النادي الرياضي. وبالمثل، لا تحدد الإنتاجية هوية أحد، فالأشخاص المنتجون هم أشخاص يقومون بأمور مُنتجة في كثير من الأحيان. وكذلك المحبة ليست هويةً، فالأشخاص المحبوبون كريمون ولطيفون لذا يحبهم الناس، ومن يعلم قد يتغير كل هذا دون أن تتغير هوية أيٍّ من هؤلاء.

إقرأ أيضاً: 5 أخطاء وراء فشل عاداتك الجديدة

لستَ مركز الكون:

في كتابي “فن اللامبالاة” (The Subtle Art of Not Giving a Fuck)، تحدثت عن أهمية الحفاظ على هوية محدَّدة بأبسط الإمكانات فحسب. فعندما نربط الأمور بهوياتنا أو نظن أنَّ سلوكات أو أحداثاً معينةً تمثِّل قيمتنا كإنسان، تضطرب الأمور عاطفياً؛ وعندما يحدث ذلك، فإنَّنا نميل إلى فعل أشياء تنمُّ على حماقة.

بدلاً من ذلك، عُدَّ حياتك على أنَّها مجرد سلسلة طويلة من الإجراءات والقرارات؛ فإذا كنت مثل معظم الناس، فستكون العديد من هذه الإجراءات والقرارات غير مثالية. ويقصد معظمنا عندما نقول أنَّنا نرغب في تغيير أنفسنا أنَّنا ببساطة راغبون في اتخاذ إجراءات وقرارات أفضل إلى حد ما.

إليك مثالاً عن ذلك، حيث يبدو وكأنَّ شخصاً يحاول أن يجد نفسه، ولكن بدلاً من ذلك يصيبه اليأس والإحباط.

لسنوات، كنت أكره الصباح إلى حد كبير، واعتدت الاستيقاظ متأخراً. فسبَّب لي هذا تراكمات من المشكلات في حياتي، فقد كنت دائم التأخر في إنجاز مهامي في العمل، لذا كنت أضطر إلى البقاء مستيقظاً حتى منتصف الليل لإتمام العمل.

لقد كنت أستيقظ في اليوم التالي متعباً ومجَهداً، لذا كنت أبقى مستيقظاً في وقت لاحق من الليلة التالية في محاولة لتعويض ما فاتني؛ وبحلول نهاية الأسبوع، كنت أُنهك من التعب، فأخرج للقاء بعض الأصدقاء وأسهر معهم لوقت متأخر كي أنسى مشكلاتي، لكنَّ ذلك زاد وضعي سوءاً في بداية الأسبوع.

رغم ذلك، كنت لا أزال قادراً على متابعة عملي بشرب كميات كبيرة من المنبهات؛  لكن بدلاً من إدراك أنَّني أبليت بلاءً حسناً على الرغم من عاداتي السيئة، فقد جعلت الأمر يتعلق بي، لقد جعلته جزءاً ممَّا أنا عليه، فقررت أنَّها هويتي.

قلت: “نعم، أنا شخص لا يُستهان به، ولست بحاجة إلى الاستيقاظ باكراً، أو نيل قسط كافٍ من النوم، لست بحاجة إلى كل هذا الهراء، ويمكنني العمل طوال الليل”

قد يكون ذلك ممكناً عندما تكون في أوج شبابك، لكن يمسي ذلك مستحيلاً بعد أن تضمحل طاقتك مع تقدمك في العمر.

في الثلاثينيات من عمري، بدأت إنتاجيتي تتناقص، وبدلاً من الاعتراف بعاداتي الخاطئة، قلت لنفسي: “حسناً، أنا ربما لست من محبي الصباح، ولا أطيق العمل في أثنائه”.

لم أدرك ذلك، وكنت كأنَّني أعلن استسلامي قبل أن أجرب حتى. ففي الأوقات التي أحاول فيها الاستيقاظ باكراً، أو ممارسة الرياضة أولاً، أو تناول وجبة فطور صحية، كنت أعاني وأقول لنفسي على الفور: “هذه الممارسات الصباحية لا تناسبني”.

ولكن في نهاية المطاف، كان عليَّ مقاومة نفسي، وإيجاد هويتي، واكتشاف ما الذي أفعله؛ فأنا أعلم أنَّ الاستيقاظ باكراً، وبدء اليوم مع روتين لطيف وبسيط، هو وسيلة صحية ومثمرة لعيش الشخص حياته من كافة الجوانب.

وهكذا قررت إدراج مهامي في الصباح، لقد فككت ارتباط أفعالي بهويتي، لأنَّني اقتنعت أنَّ ذلك هو عين الصواب؛ والآن، أنا أستيقظ مبكراً، وأمارس التأمل إن استطعت، وأتناول فطوراً صحياً ومغذياً، وأشرع في الكتابة بأسرع ما يمكن.

هل هذا يجعلني شخصاً صباحياً؟ هل يجعلني ذلك شخصاً منتجاً؟ مَن يعلم؟ مَن يهتم؟ بالنسبة لي، فالجواب لا، وعدم الاهتمام بكل ذلك هو ما أتاح لي القيام به.

لا تُقحم هويتك في قراراتك، لأنَّها على الأرجح لا تتعلق بك أنت، اسأل نفسك فقط: “هل هذا شيء حسن؟” إن كان الجواب نعم، فإليك به.

سواء فشلت في ذلك، أم لا زلت مقتنعاً بنجاعته، قُم به مرةً أخرى. وإذا أدركت في أيِّ وقت أنَّه لم يكن جيداً كما كنت تعتقد، فلا  تكرره مرةً أخرى.

غيِّر أفعالك، وليس نفسك:

يرجع السبب في شعور معظمنا أنَّنا عالقون في عادات معينة، إلى كوننا عاطفيين ومنغمسين في سلوكيات غير صحية. فالمدخن لا يدخن السجائر فقط، بل يتقمص هويةً كاملة متعلقةً بالتدخين، ويغير حياته الاجتماعية، وعادات الأكل والنوم لديه، ونظرته لنفسه وللآخرين. وتوسم به صفة “المدخن” بين أصدقائه وعائلته، فهو يطور علاقةً مع السجائر، كما يطور الناس علاقةً مع حيوان أليف أو لعبة مفضلة، أو الهاتف المحمول.

عندما يقرر شخص ما تغيير نفسه والإقلاع عن التدخين، فإنَّه في الأساس يريد تغيير هويته بالكامل، وكأنَّه يرمي بالعلاقات والعادات والافتراضات جميعها التي مرت على مدار عدد من السنوات، بفعله شيئاً واحداً فحسب. إذاً لا عجب أنَّ قرارات العام الجديد لا تدوم، وغالباً ما تفشل.

تكمن الحيلة في الإقلاع عن التدخين، أو تغيير أيَّة عادة أخرى، في إدراك أنَّ هويتك – أي ذاك الإطار الذهني المفصَّل الذي ابتكرته في ذهنك – غير موجود في الواقع. فهو اعتباطي، وواجهة مزيفة يمكن إزالتها أو إسقاطها حسب الرغبة، كما تختار أنت.

أنت لست مدخناً، بل شخص اختار التدخين. أنت لست شخصاً ليلياً، بل شخص اختار أن يكون نشطاً في الليل وينام لوقت متأخر. أنت لست كسولاً أو غير منتج، بل شخص اختار حالياً القيام بأشياء غير مفيدة. أنت لست مكروها، بل شخص يشعر حالياً بأنَّه غير محبوب.

إنَّ تغيير هذه الإجراءات بسيط مثل تغيير أفعالك، كل واحد على حدة. انسَ التسميات، والمساءلة الاجتماعية، والتزم بالنصيحة القائلة: “واقضوا حوائجكم بالكتمان”. انسَ الافتخار بنفسك أو هويتك أو ما يفكر فيه الناس عنك؛ فلا أحد يهتم بالحقيقة. وتذكَّر أنَّ هويتك هي هذا الشيء المختلَق الذي ترتبط به عاطفياً، هي مجرد سراب في الصحراء. واعلم أنَّ أسرع طريقة لتغيير نفسك، تكمن  في إدراك أنَّ الطبع يغلب على التطبع.

 

المصدر


Source link

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الاعلانات هي مصدرنا الوحيد لدفع التكلفة التشغيلية لهذا المشروع الريادي يرجى الغاء تفعيل حاجب الأعلانات