الإنسان مقابل الحيوان

صباح اليوم، وقفتْ قطتي فوق سريري وبدأت بلعق قدميّ، كانت تحاول إيقاظي بطريقتها، الأمر – لا شك- ظريف

مثيرٌ للقرف قليلاً لكنه ظريف. 

وحالما نهضتُ من السرير صارتْ تركض خلفي، تقفز وتموء وتحكُّ جسدها بساقيَّ، المسكينة، لقد كان الجوع وراء ذلك كله.

 

مأساة الحيوان

لم يكن بمقدورها أن تقول شيئاً أو أن تعبّر بوضوحٍ عن رغبتها بالطعام وشعورها بالجوع والحاجة لمصادر الغذاء المتنوّعة الموجودة في وجبتها (التي تناولتها فيما بعد)، كل ما قالته هو:"مياو"

وهي الكلمة ذاتها التي تقولها عند الحزن، الإنزعاج، إمتلاء المثانة وبعض الدوافع الشعورية والمادية الأخرى كلمةٌ واحدة قليلة المعنى تستخدمها بشتى المواقف مع إختلاف السبب. 

لا بد أنها هي، هذه هي مأساة الحيوان، وبناءً على ما سبق، يبدو لنا جلياً أن الإنسان مستثنىً من هذه المأساة الواسعة، بحكم أنه يجيد الكلام الطليق الموصِّف الذي يعبر بالضبط عمّا يريد البوح به، فبالحالات الطبيعية يستطيع القول :"إني جائع" ليعبر عن جوعه بوضوحٍ عالي الجودة.

وبأفضل الأحوال يستطيع التعبير عن ذلك بقصة، بمسرحية أو بمقطوعةٍ موسيقية، هكذا هو الإنسان ،مخلوقٌ تعبيري بالفطرة!

أما الحيوان؟ فينطبق عليه قول أسمهان : (مسكين، يا روحي عليه).

 

لمن سترجح الكفة؟

الآن وبعد أن تجرأنا على وضع الإنسان بكفةٍ مقابل سائر الحيوانات بالكفة الأخرى، بات علينا أن نجري جرداً لباقي مواضع المقارنة، وأن نحلل أغلبها.

ترى لمن سترجح الكفة؟ 

 

تمتلك قطتي الجائعة شمّاً قوياً ومخالبَ حادة، وهي تشارك بذلك قريبها الأسد، الذي يفوقها قوةً في الجسد والأنياب، وقريبها الآخر الفهد يملك ساقان رشيقتان تمكنانه من الفوز بلقب الأسرع من بين الكائنات التي تسير على الأرض.

للنملة قدرةٌ رهيبةٌ على حمل أضعاف وزنها وللنحل تنظيمٌ مثيرٌ للإهتمام وللطيور أجنحةٌ تحملها عالياً في السماء وتقطع بها مسافاتٍ كبيرةٍ بوقتٍ مُختزَلٍ مقارنةً بالسير على الأرض. 

القردة تستطيع تسلّق الأشجار بخفةٍ، والأفاعي تفرز سمّاً قاتلاً، 

يستطيع الجمل البقاء فتراتٍ طويلةٍ بدون ماء، والخفاش يقدر على الطيران بدقةٍ في أحلك الظروف ظلمةً ومن دون امتلاك قدرة على الرؤية حتى! 

تطول قائمة الحيوانات المتميزة بما يكفي لجعلي عاجزاً عن إحتوائها في مقالٍ واحد، كلهم يمتلكون الوسائل الفعالة ليقاتلوا بها الحياة وللنجاة من براثن شرّها المستطير، الكلاب والدببة والأحصنة والتماسيح وغيرهم.

أما الإنسان، فإنه مجرد من جُل تلك الصفات، ليس لديه مخالبٌ حادة ولا أنيابٌ قاطعة، لا يملك أجنحةً تحمله فوق الريح ولا ساقين سريعتين ليسابق بهما الزمن، ما من فروٍ ليزيل برد الشتاء عنه ولا موادَ سامةٍ يواجه بها عدواً أراد أكله

سمعه محدود، بصره ضعيف، شمّه بالكاد يُحسب، وأسرع سرعاته لن تشفع له عند الهروب من مفترسٍ يلحق به. 

تخيلوا حلبةَ مصارعةٍ تحوي إنساناً أعزلاً و نمراً منزوع السلاح، وجهاً لوجه في صراعٍ بري، سيصبح الإنسان المسكين الخاسر وجبةً متواضعةً للنمر الجائع في بضع دقائق. 

 

 

سر التفوق التاريخي للبشر

إن تمّعن أحدنا فيما سبق ذكره صار صعباً عليه إستيعاب النجاح الذي طاله البشر حتى يومنا هذا، ما هو السر التاريخي لتفوّق البشر على ظروف الطبيعة المحيطة رغم عجزه ذاك؟ 

يكمن السر كله في هدية الخالق للإنسان، يمكن السر في وعيه وعقله وقدرته على المحاكمة والإستنتاج المنطقي والمتسلسل، تمكَّن بذلك من صنع الحربةِ مثلاً، التي استطاع بها قتل وحشٍ أراد تناوله في قديم الزمن. 

وعلى هذا قِس، وأنظر كيف تطورت معارفه تراكمياً ليصنع واقعنا الرقمي المتطور  هذا، حيث تتمكن عزيزي القارئ من تصفح هذه السطور خلف شاشتك الذكية. 

لقد طوّع الإنسان كل ما توصّل إليه من إبتكاراتٍ وإكتشافاتٍ وتراكم العلوم ليصعد بها على أدراج المجد ويجلس على عرش العالم، فتغلب على المسافات وضَمِن أسباب بقائه، سكن الجبال وخاض البحار وقذف بنفسه في غياهب الفضاء! 

من كان يظن ذلك؟ 

ذلك هو الإنسان، الكائن الأكثر تفوقاً وغروراً على كوكب المياه والحياة، يجول ويصول كما أراد ويمنح لنفسه أمتيازاتٍ ماكان ليحصّلها أيُّ كائنٍ آخر. 

 

نتيجة المقارنة

حسمت النتيجة، أليس كذلك؟ 

لقد أثبت البشر قدرتهم الواضحة (كوضوح الشمس) على كونه الكائن الأجدر لقيادة دفّة العالم وتحمل مسؤولية إعمار الأرض وتلقي رسالات السماء، ومن عساه الأجدر بذلك؟ 

لكني - ومن منظورٍ شخصيٍ-  أرى أن المأساة الحقيقية تدور حول الإنسان، تحيط به وتحاول خنقه، تسعفه الكلمات حيناً فيعبر عمّا يجول في خاطره، وتسيء الكلمات إليه عندما يبثّها سموماً تعُضُّ مسامع أبناء جنسه.

كثيراً ما حِمل كلام الإنسان طابع الكذب والشرور وأدى إلى أحزانٍ عميقةٍ وإلى إساءةٍ لنفسه قبل غيره. 

وبأفعاله وأدواته طحن الملايين من أخوته تحت رحى الحرب الخشنة ليحقق فوزاً لنفسه! 

وبها استعلى عليهم وسخر طاقاتهم ليصعنوا له ما أحب من الطعام واللباس وأدوات التكنولوجيا بعمالةٍ رخيصةٍ بالكاد تكفي لتسد جوعهم 

 

تساؤل الختام، نعمة أم نقمة؟

بتُّ حائراً فعلاً ،هل كلمة الحيوان الوحيدة هي المأساة أم أن المأساة تسكن الكلام المتعدد الذي ينتجه البشر؟

هل ينتصر الإنسان في مقابل الحيوان وينهزم أمام نفسه؟

هل ما يعيشه الإنسان من وعيٍ يندرج تحت مفهوم النعمة أم النقمة؟ 

 

 

 

هل استمتعت بهذه المقالة أنضم إلينا من خلال أخر الأخبار عبر البريد الالكتروني

تعليق

يجب تسجيل الدخول لأضافة تعليق

عن الكاتب