مطيّة الحلاق والمجتمع

 

صديقنا في هذه القصة شديد اللطافة، كثير التهذيب، دائم الإبتسام ويدعى آدم

يعتذر للجميع عن كل الأشياء
ويعتذر للأشياء ذاتها فيما إذا تعرضت للإساءة والشتم

فإن ضرب حافة الباب بكتفه أو بإصبع قدمه الصغير فإنه - وبدلاً من التفرغ للألم- يهم بالإعتذار من الباب!

يعرض خدماته على كافة الناس وبلا مقابل
ويأمل بتحقيق السلام العالمي

نذكر أنه مر يوماً أمام مرآةٍ كبيرة في منزله ولاحظ من خلالها أن شعره قد ازداد طولاً بما يكفي ليذهب به إلى الحلاق

كان بإمكانه أن يؤجل ذلك أسبوعاً قبل أن يسوء مظهره تماماً ، إلا أنه يُحب أن يُقدِم على جميع أعماله مبكراً خوفاً من أي أمرٍ طارئٍ يشغله عنها

يردد في نفسه دوماً:

"أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً
هه، ولماذا نترك أنفسنا نتأخر من الأساس؟
علينا أن نصل باكراً
باكراً فقط"

وبالفعل! قرر أن يحلق شعره
لقد سمع أن حلاقاً جديداً في الحي قد افتتح صالوناً صغيراً في اليوم السابق
وأنه من الجيد أن يساعد جاره الجديد بالحلاقة عنده
ليطمئن الجار ويشعر أن إفتتاح صالون حلاقة في هذا الشارع ليس بخسارة

يدخل الصالون، وفي الصالون وجد آدم الحلاق، رجل على كرسي الحلاقة، شاب بمقتبل العمر و أب وطفليه (تبين أن الأب يدعى أبو محمود و الطفل الأكبر هو محمود أما الأصغر اسمه محمد)
يلقي التحية بابتسامةٍ كبيرة :"السلام عليكم"

"وعليكم السلام"
يرد الجميع

يجلس على كراسي الإنتظار وينتظر دوره، وهو الغرض الذي خُصصت له هذه الكراسي أصلاً

يمر بعض الوقت، وينتهي الحلاق من الزبون الجالس على الكرسي ويشير إلى أبو محمود ليُقدّم أحد ولديه للحلاقة
يتقدم محمود، يضع الحلاق خشبة على يدي الكرسي ليجلس الطفل
يقوب الأب :"لم يعد هناك لزومٌ للخشبة، صار محمود رجلاً هههههه"

يرد الحلاق :"أيه والنعم سيد محمود، سيد الرجال ، كيف تحب أن أحلق لك؟"

محمود :" مثل الشافعي"

ظن آدم أن الطفل يقصد بكلامه الإمام الشافعي رحمه الله
واستغرب لهذا كثيراً :"كيف للناس أن يعرفوا شكل شعر الإمام الشافعي من دون صورة؟"

وسعد في نفسه لأن الطفل الصغير يحب الإقتداء بالإمام الشافعي حتى بشكل قصة الشعر
فقرر الإنتظار ليتعرف على قصة الشعر تلك ويعاينها عن قرب كما لو أنه يتفحصها على رأس الإمام الشافعي

في النهاية، تبين أن الشافعي ذاك لم يكن إلا حسن الشافعي، الموزع الموسيقي المصري الشهير والذي تحبه أغلب الفتيات

" نعيماً "
يقول الحلاق لمحمود ويتقدم محمد للحلاقة

يمر الوقت وينتهي الأب مع طفليه ويغادرون الصالون
يجلس الشاب الصغير على الكرسي

"جيد، هناك زبون واحد فقط قبل أن يحين دوري"
فكر آدم
وقبل أن ينهي التفكير دخل رجلٌ ما

الرجل :" السلام عليكم"

الحلاق :"أهلاً أهلاً أستاذ ، وعليكم السلام، كيف حالك اليوم وكيف حال الرياضيات والزوايا ؟"

- :" الزوايا كلهم يسلّمون عليك، الحادة والقائمة والمنفرجة
ههههههههه"

= :"ههههههههه"

- :"Bla bla bla bla bla bla bla bla? "

= :"Bla bla bla bla bla bla bla bla bla bla bla bla"

في هذه الأثناء قال آدم في نفسه أن هذا الرجل معلم رياضيات، ويبدو أنه قدير وماهر، وأنه - بلا شك - على موعدٍ مع عشرات الطلاب في الساعات القليلة القادمة، وعليه، فإنه يجب أن يكون بكامل تركيزه وراحته ليعطي أفضل ما لديه للطلاب، بناة المستقبل، وأمل الأمة
فقرر أن يعطيه دوره من باب حب الخير وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة

كان حوارٌ  بين الحلاق والأستاذ يدور حول مواضيع مختلفة وأخبار أشخاص مجهولين بالنسبة لآدم

حين انتهى الحلاق من الحلاقة للزبون الشاب أشار لآدم كي يتقدم
آدم :"ل..، لا، فيلتقدم الأستاذ ، لا بأس"

الأستاذ :"شاكرٌ لطفك ،شكرا لك" بابتسامةٍ مُمتنة

جلس الأستاذ على كرسي الحلاقة ولم تكن إلا بضع ثوانٍ حتى اضمحلت ابتسامة الإمتنان من وجهه لكن شعور آدم بالسعادة والرضا مازال كبيراً

كان آدم  يمضي أوقات الإنتظار بتأمل ديكور الصالون، منتجات العناية بالشعر، العطور المختلفة الكثيرة وأسماءها الغريبة، قناة الإعلانات التي تعرض أغانٍ تافهة ورسائل المتابعين، وفكرة المرآتين المتقابلتين الذكية التي تسمح للزبون بالإطلاع على شكل رأسه من الخلف وتقييمه قبل الإنتهاء من الحلاقة

كما كان يحاول اجتياز مرحلةٍ صعبةِ الفوز في لعبةٍ على هاتفه المحمول

فبغض النظر عن الطرق التي سلكها لإمضاء الوقت، كان الوقت يمضي بالفعل، زبائن يدخلون وزبائن يغيرون رأيهم فيخرجون ودوره يقترب

ينتهي دور المدرس، يطلب الحلاق من آدم التقدم لكن آدم طلب من طبيبٍ دخل منذ مدة أخذ دوره بعدما فكر بكل المرضى الذين قد ينتظرون طويلاً بسبب تأخر الطبيب بقص شعره

يشكر الطبيب آدم ويتقدم، وكان ذلك على مرأى من الزبائن الذين تأملوا المشهد بصمتٍ وشفقةٍ وإكبار
لكن لم تكن إلا دقيقة واحدة وإنتهى كل ذلك، إمتنان الطبيب، استغراب الحلاق وتأمل الزبائن للمشهد ، و مجدداً، شعور آدم بالرضا يرفض الرحيل

يمر المزيد من الوقت، ومزيد من الزبائن يدخلون وينتهي الحلاق من الحلاقة للطبيب، وقبل أن يطلب الحلاق من آدم التقدم، استأذن أحد الزبائن من آدم أن يأخذ دوره لأنه مستعجل، برر ذلك بأن اليوم حفلة زفافه وأن عليه القيام بالعديد من الأعمال الأخرى قبل الحفل
وبالطبع، وافق آدم وشكره الشاب.

انتهى الشاب من الحلاقة، لم يطلب الحلاق من آدم التقدم هذه المرة، لكن عجوزاً طلب أخذ دوره، و مجدداً يوافق آدم

تكرر الأمر مع مرور الوقت، الا أن بعضاً من الزبائن تقدم لأخذ دور آدم دون أن يستأذنه في ذلك حتى

وكان آدم يقول في نفسه أن الأمر بسيط :
"مسكين، هذا رجل عجوز يتعب من الإنتظار
مسكين، هذا طالب يوشك على تقديم إمتحان مهم
مسكين، هذا موظف قادم للتو من وظيفته ويحتاج الحلاقة بسرعة ليعود إلى منزله ويرتاح
مسكين فلان، مسكين فلان، ومسكين فلان.

فليأخذوا دوري جميعهم ، لايهم كثيراً، الأمر بسيط"

وبمرور الوقت - نفسه- كانت أكوام الشعر تتجمع بشكل خاص حول كرسي الحلاقة وعلى أرضية الصالون كله عموماً
شعر كثير مختلف اللون والطول والسماكة، مجعد ،سبل، دهني، جاف ، كلها كانت بانتظار من يكنسها بعيداً، وبدا على وجه الحلاق الإرتباك والإنزعاج من ذلك ، فعلى أحدٍ ما أن يكنسها

وفي الوقت الراهن هو يعجز عن ذلك لكثرة الزبائن المنتظرين

شعر آدم بامتعاض الحلاق وقلقه ونهض لكنسها بنفسه!!
خَجِل الحلاق من ذلك وشكره كثيراً

كنسها كلها ثم عرض على الحضور أن يصنع الشاي
وافق الجميع من مبدأ: "المنيحة ما بدها سؤال"
وهو ما حدث.

الكثير من الزبائن الجالسين الجدد كانوا يظنون أن آدم يعمل بالأجرة في الصالون، وأنه عامل كسول يطيل الجلوس ويقل من العمل، أما آدم - الذي يجهل ما يدور في خاطرهم - فكان مغموراً بالسعادة، لقد قدم الخير للكثير من الناس اليوم وهو ما كان يُفضّله على الدوام

تأخر الوقت، غابت الشمس وأدرك آدم أنه أمضى الكثير هنا:
"علي أن أذهب إلى منزلي وأعاود القدوم غداً"
هذا ماقاله في نفسه

"ابقَ، اقتربت من أن أفرغ"
قال الحلاق

"لا بأس، لقد تأخر الوقت، سآتي غداً"
رد آدم وانصرف.

في اليوم التالي تكرر المشهد بشكل مشابه
وفي اليوم الذي تلاه أيضاً

بل وتكرر الأمر على النحو ذاته طوال الاسبوع دون تغيير يذكر
سوى أن الحلاق توقف عن شكر آدم بخجل كلما قام بصنع الشاي أو كنس الشعر وأن زبائن الصالون وجيرانه قد اعتادوا على أن آدم ليس إلا عاملاً بالأجرة

ساء شكل شعر آدم، ولاحظت أمه ذلك :
-الأم : "بات شعرك طويلاً جداً، كنت قد أخبرتني بنيتك لحلاقته منذ أسبوع ، ما الذي جرى؟"

=آدم :"ازدحامٌ شديد، ماشاء الله، هذا الحلاق يبدو مرزوقاً"

تتنهد الأم بإشفاقٍ وحزن:
- :"أخبرني، أعطيت دورك لأحدهم، أليس كذلك؟"

يصمت آدم لوهلة
= :" لا.. ، ما..، نعم..
مرة فقط"

- :"بني! كم مرة قلت لك أن تكون قاسياً وأن تأخذ حقك بيديك؟ ، لا تسمح لأيٍّ كان أن يستغلك"

= :" لم يستغلني أحد ، أنا من أعطاهم دوري"

تصرخ الآم:
-  :"هم؟ كم مرةً فعلت ذلك؟"

= :"قصدي، أعطيته.
لا عليكِ، لن تغيب شمس اايوم قبل أن أن أقص شعري، أو اسمعي ، أنا أصلاً قد اقتنعت بالشعر الطويل، كنوعٍ من التغيير  واقتداءاً بالرسول عليه الصلاة والسلام
الرسول كان شعره طويلاً، حتى كتفيه "
(يحرك يده بالقرب من كتفه)
"أليس جميلاً؟"

- :"اسمع ، إياك أن تعود إليّ اليوم بشعرك هذا، وإلا سأتصرف بنفسي، مفهوم؟! "

= :" مفهوم"

في الصالون، كان الجار يشرب الشاي، ولاحظ أن طعم الشاي مختلف عما كان عليه، وأن أكوام الشعر كثيرة،
استفسر عن ذلك، أجاب الحلاق الذي كان يحلق لزبونٍ
- :"كان آدم يعمل كل هالشي "

= :"لقد تأحر آدم، أين عساه أن يكون؟ "

- :" فعلاً ، من يدري أين شرد"

في تلك اللحظات ، يدخل آدم ويلقي السلام

الحلاق وبلهجة جادةً ممزوجة بخطاب الأخوّة :"هاه، ها هو ذا، شرّف، شمسك اليوم عالية ، أين كنت حتى الآن سيد آدم؟
تعال وانظر إلى أكوام الشعر المتكدسة، هيا لملمهم، الله يرضى عنك"

يقول الجار :" ما الذي يُصبّرك على عاملٍ مثله؟ صحيح أنه يصنع شاياً مميزاً ، لكنه كسول وغير مسؤول".

سمع آدم ذلك وشعر بقشعريرة تسري في جسده كاملاً
كما لو ضربته صاعقة:

"لكني لا أعمل هنا، أنا مجرد زبون يحب الخير"

غادر الصالون مختنقاً
وبقي يردد ذلك كثيراً في طريق عودته إلى المنزل بعد ذاك المشهد المروع.

طوال الأيام الفائتة كان يواسي نفسه بأن تقديم الخير للناس أهم من تحقيق المكاسب والأهداف الشخصية ، ولم يشعر أبداً- أبداً- أن سرجاً قد وُضع على ظهره وأن حدواتٍ قد دُقَّت أسفل قدميه وأن رقبته باتت مربوطةً بحبلٍ فصار مطيّةً يُركَب عليها.

 

هل استمتعت بهذه المقالة أنضم إلينا من خلال أخر الأخبار عبر البريد الالكتروني

تعليق

يجب تسجيل الدخول لأضافة تعليق

عن الكاتب